ياحمامة مع السلامة
الكاتب: عبداللطيف البوني   
الأربعاء, 12 أغسطس 2009 23:49

تقول الاسطورة انه قيل للقرد ان الله سوف يسخطه، فرد بالقول (خبر جميل فقد اتحول الى غزال). بمعنى آخر ليس في الامكان أسوأ مما كان، ولعل هذا هو حالنا في مشروع الجزيرة، فهذا المشروع وصل الآن آخر مرحلة من مراحل تدهوره، وبما ان عظمه قوي وصلب، فأي تغيير فيه سيكون للأحسن ان شاء الله، ولكن التغيير المنشود يحتاج لإرادة سياسية قوية لا لأن الناس يجهلون المطلوب بل لأن أصحاب المصالح والمتاجرين في هذه الأوضاع السيئة سوف يقاومون أي تغيير، فاذا كان هناك من يتاجر في الحروبات ويشعل نيرانها كي يحافظ على مصالحه، فما بالك بتجار الأزمات، فإنهم أكثر من الهم في القلب.
مناسبة هذه الرمية ما جاء في هذه الصحيفة أمس من ان وزارة الزراعة قد اتفقت مع وزارة المالية على اعطاء كل العاملين في مشروع الجزيرة حقوقهم حتى (يتكلوا على الله)، فهؤلاء العاملون قد تم الاستغناء عنهم بمجرد ان أجيز قانون الجزيرة الجديد العام 2005م، ولكنهم ظلوا في أماكنهم لأن الدولة لم توفر لهم مستحقاتهم، فأصبحوا عبئاً كبيراً (مرتباتهم في تلتلة وحقوقهم في خبر كان)، فعانوا الامرين واصبحت حالتهم لا تسر صديقاً ولا تسعد عدواً، فبالتالي اذا أوفت المالية بوعدها تكون قد أزالت عبئاً كبيراً عن هؤلاء العاملين وعن الدولة وعن المزارع.
لابد من كلمة تقال في حق هؤلاء العاملين، فالمعروف عن العاملين في الجزيرة انهم من أنزه وأكفأ كوادر الخدمة المدنية في السودان، فقد ورثوا الانضباط عن أسلافهم الانجليز، والمعروف ان أكثر من نصف الخواجات أيام الاستعمار كانو موجودين بالجزيرة، فقد اداروها ادارة مباشرة وليس عن طريق الادارة الاهلية كما حصل لمناطق السودان الاخرى، وواصل هؤلاء العاملون عطاءهم المنضبط بعد خروج المستعمر من أبدع مايكون، فحافظوا على عظم المشروع ويكفي ان نقطة الماء (تتدردق من سنار الى تخوم الخرطوم) أما التردي الحادث للمشروع، فهو بسبب السياسات العامة ولا يسأل عنه المزارعون ولا الموظفون والعمال في المشروع.
المشكلة الاساسية ان المشروع كان مصمماً لانتاج القطن، فبالتالي كانت الذهنية الوظيفية تقوم على هذه الاستراتيجية والآن القطن (دق الدلجة) وأصبح غير قادر على الإيفاء حتى (ببتاعة تامزينو) لا يعاني انخفاض الاسعار العالمية فحسب بل يعاني تدني الانتاجية في المشروع، فالجزيرة تكاد تكون (طيش العالم ) في متوسط انتاج الفدان وما كثرته الا لاتساع المساحة المزروعة منه، فتغيير التركيبة المحصولية القائمة على القطن يتطلب تغيير الاوضاع كافة في المشروع ولابد من استراتيجية جديدة وبالتالي ذهنية جديدة ولم تعد هناك حاجة لذلك الكم الهائل من الموظفين والعمال الذين كانوا قيمين على زراعة القطن وكان المزارع نفسه أجيراً، فزراعة (الدردقو) والعجور والبصل والاعلاف وزهرة الشمس والذرة الشامية وتربية الابقار والاغنام و(السخيلات) لا تحتاج الى مفتش وباشمفتش ومدير ومحافظ، فالمزارع سوف يتعامل مع البنك والسوق ومخزنه أو(تكله) بضم التاء ويتعامل مع جماعة الرى بـ (امسك لي واقطع ليك) لهذا كان لابد من ذهاب هؤلاء العاملين الذين بحمد الله اصبح معظهم مزارعين واصحاب حواشات في المشروع، فمرحباً بهم مع اهلهم وانني أكاد أجزم بأنهم سوف يلعبون دوراً كبيراً في المرحلة القادمة وسوف يزيحون القيادات الجاثمة على صدور المزارعين والتي تشبه (الحجر في الماء لايشرب لا يخلي الماء يجري) بيد انهم كانوا (يشربون).

 


عبداللطيف البوني.



مقالات اخري للكاتب