المصريون في مشروع الجزيرة
الكاتب: سنهوري عيسى   
السبت, 04 ديسمبر 2010 13:11

التعاون السوداني المصري قديم متجدد، لا تحكمه فقط المصالح المشتركة والابعاد الاستراتيجية والأمنية، ولا يخضع لهوى الانظمة السياسية الحاكمة على مر التاريخ القديم أو الحديث لمصر والسودان، ولكن لا يمكننا إن ننكر بحال من الأحوال ان الانظمة السياسية الحاكمة لها تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة فى تعزيز التعاون بين البلدين أو شمال وجنوب الوادى الذى يجىء فيه (نيل الحياة) كما قال المغنى السودانى اجرى يا نيل الحياة ،ويبدو أن الاخوة الاشقاء فى مصر أدركوا أخيراً خطورة هذا النيل وتأثيراته بعد تداعيات توقيع خمس من دول المنبع فى مايو الماضى على اتفاق اطاري للتعاون يستثنى السودان ومصر ولا يعترف بحقوقهما التاريخية فى مياه النيل، فقررت مصر أن تستعد لهذه التداعيات والتأثيرات بالاستثمارالزراعى فى السودان وهى بذلك تحقق جملة من الأهداف الظاهرة وغيرالمرئية أو الاستراتيجية أو الامنية.

 
ومن تلك الاهداف الاستفادة من حصة السودان من مياه النيل فى زراعة محاصيل تستفيد منها مصر فى تأمين غذائها وتشغيل مصانعها والاستفادة من القيمة المضافة لهذه المنتجات دون ان تخسرمتراً مكعباً من المياه وانما تستفيد فقط من حصة السودان واراضيه الخصبة، الى جانب تحقيق اهداف غير منظورة تتمثل فى معرفة مناسيب النيل وفيضانه وحجم المياه التى يخزنها السودان وتصريفات المياه عبرالترع الرئيسية بالمشاريع المروية،وهذا يفسر اختيار مصر لان تزرع مليون فدان بمشروع الجزيرة كما جاء فى جريدة (الاهرام) المصرية التي نسبت الى أمين أباظة وزيرالزراعة واستصلاح الأراضي المصري قوله: (بالفراغ من وضع جميع الأطر القانونية اللازمة لتفعيل اتفاق يمنح مصر زراعة مليون فدان بمشروع الجزيرة أكتوبرالمقبل).
ونقلت صحيفة (الأهرام) المصرية عن أمين أباظة قوله: تم توقيع وثيقة الاتفاق المنظم لعملية الزراعة التعاقدية بالسودان مع د. عبدالحليم المتعافي وزير الزراعة والغابات -بحضورفايزة أبوالنجا وزيرة التعاون الدولي بمصر، ووزير التعاون الدولي بالسودان،كإحدى النتائج المهمة لأعمال اللجنة المشتركة العليا المصرية ـ السودانية.
وأشاراباظة إلى أنه تم الانتهاء من وضع جميع الأطرالقانونية اللازمة لتفعيل الاتفاق في اجتماع اللجنة برئاسة أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء المصري، وعلي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية أكتوبرالمقبل.
من جهته كشف د. سعد نصار - مستشار وزيرالزراعة واستصلاح الأراضي ان وثيقة الاتفاق تلزم الجانب المصري بتوفير وتوريد مستلزمات إنتاج المحصول المحدد زراعته وبكميات كافية من تقاوى وأسمدة ومبيدات وميكنة في مدة لا تقل عن أسبوعين قبل موسم الزراعة، كما تتيح للجانب المصري الحصول على قروض زراعية من البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي أوالبنك المصري السوداني. وأشار إلى أنه ستتم صياغة برنامج تنفيذي ملزم للطرفين ومحدد الوقت والكميات والأسعارومكان التسليم لكل محصول زراعي خاصة تسليم الذرة لاتحاد منتجي الدواجن،والقمح لهيئة السلع التموينية وبنجرالسكر للشركة القابضة للصناعات الغذائية.
إذاً الأجندة المصرية فى اختيارمشروع الجزيرة للاستثمارالزراعى واضحة من خلال تصريح هؤلاء المسؤولين المصريين وتؤكد أن الاختيارتم بدقة لهذا المشروع الذى يصفه الجميع بانه أكبر مشروع مروي فى العالم حيث تروى أكثر من (2) مليون فدان بالرى الانسيابي، وهذا يفسره شيئان الأول: اختيار صحيفة (الاهرام) لتسريب هذه الاخبارو(البالونات الاختبارية)، والثانى عدم علم ادارة مشروع الجزيرة بهذا الاتفاق كما ذكر د. صديق عيسى- مدير مشروع الجزيرة - فى تعليقه لصحيفة (الاحداث) على الخبر الذي نسبته صحيفة (الاهرام) الى أمين اباظة وزير الزراعة المصرى بأن مصر سوف تزرع مليون فدان بمشروع الجزيرة حيث قال: (إنه لا علم له بهذا الأمر)، وبذلك تصبح إدارة مشروع الجزيرة آخرمن يعلم ،مما يجعلنا نفسر أن هنالك صفقة سياسية فى طريقها للتنفيذ تضمن لمصر الاستثمار الزراعى بمشروع الجزيرة، وقد يقول قائل: ان الاستثمار مفتوح لاي شخص وفى اي مكان بالسودان بما فى ذلك مشروع الجزيرة، ولكن فى اعتقادى ان مشروع الجزيرة له بعده الاستراتيجي الذى لا ينبغى تجاهله طالما الآخرون يهتمون بهذا البعد الاستراتيجى ويسعون إليه، ولكن الذي لايدركه المصريون ان مشروع الجزيرة رغم ما اتاحه قانونه من مرونة للشراكة الزراعية وتوجه الحكومة الرامي لفرض واقع هذه الشراكات إلاّ أن مجتمعه الواعي بما يحاك ضد المشروع وما يخطط له، لن يفرط احد فى حيازته او حواشته مهما كان الاستثمار مجزياً او غير مجزٍ وستبقى الجزيرة مجتمعاً منتجاً ومتماسكاً وصمام أمان غذاء أهل السودان، وستبقى الجزيرة مفتوحة للاستثمار البعيد عن الاجندة طالما كانت تحكم هذا الاستثمار المصالح المشتركة،تلك المصالح التى جعلت مزارع الجزيرة يزرع القطن لتغزله وتنسجه (مصانع لانكشير) فى بريطانيا المملكة التى لا تغيب عنها الشمس إبان فترة الاستعمار الذى كان طرفه مصر فى (عهد الحكم الثنائي)، وبالتالى فإن اعادة قراءة التاريخ مطلوبة للجميع ليحدد الكل أين مصالحه ويضع الأمور فى نصابها.

 


سنهوري عيسى.



مقالات اخري للكاتب