«مشروع الجزيرة».. أزمة إصلاح
الكاتب: سنهوري عيسى   
الإثنين, 06 ديسمبر 2010 11:49

قصة إصلاح مشروع الجزيرة قديمة ومتجددة مع كل نظام سياسي يحكم البلاد. حيث يسعى اي نظام الى طرح رؤية محددة لاصلاح المشروع قد تصطدم بمصالح البعض وقد تؤيد مصالح آخرين، ولكن في النهاية يظل القاسم المشترك هو مصلحة المزارعين والبلاد، ولعل فكرة اصلاح المشروع في عهد نظام مايو اصطدمت بمصالح نقابة العاملين بوزارة الري بعد ان اصدر وزير الري آنذاك قراراً بأيلولة إدارة الري الى مشروع الجزيرة بدلاً عن وزارة الري، حيث رفضت النقابة هذا القرار وقتها وعارضته وانتهى الامر بعدم تطبيقه ، وظل الري بمشروع الجزيرة تابعاً الى وزارة الري رغم محاولات النظام المايوي لتبعية وزارةا لري بالكامل لوزارة الزراعة بدمج الوزارتين في وزارة واحدة، عندما تولى وزارة الزراعة السيد وديع حبشي والسيد عثمان حاكم. ويبدو اليوم ان التاريخ يعيد نفسه في مسيرة اصلاح مشروع الجزيرة بعد ان اصدر الاستاذ علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية قراراً الاسبوع الماضي يقضي بأيلولة ادارة الري بالمشروع من وزارة الري الى ادارة المشروع، حيث يشمل ذلك عمليات الري الكبرى والصغرى والطلمبات على ان يبدأ تنفيذ القرار اعتباراً من مطلع فبراير مع اسناد مهمة تعيين مدير ادارة الري بمشروع الجزيرة الى وزير الري ليعمل بالانتداب.
تباينت ردود الفعل حول هذا القرار الذي رحب به اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، وانتقده الخبراء ورفضته نقابة عمال الري والسدود واكدت عدم تعاملها معه بل ومقاومته عبر عقد اجتماع للجمعية العمومية للنقابة لمناقشة القرار وتداعياته للتأكيد على رفضه وعدم التعامل معه، بينما نصت مبررات قرار نائب رئيس الجمهورية بصفته رئيساً للمجلس الاعلى للنهضة الزراعية على ان القرار جاء لتمكين ادارة مشروع الجزيرة من ممارسة اختصاصاتها على الوجه الاكمل، وانحسار الظل الحكومي من المؤسسات والمشاريع الانتاجية وفقاً لسياسة التحرير لمنحها الاستقلالية في وضع وتنفيذ السياسات والخطط لتحقيق اهدافها، بجانب تأكيد وحدة ادارة العمليات الانتاجية التي تشمل الري والارشاد والوقاية، واكثار البذور والتركيبة المحصولية.
لكن تلك المبررات تم تفنيدها من قبل نقابة عمال الري والسدود. حيث اكد الامين فضيل الامين العام للنقابة ان القرار مخالف لقانون مشروع الجزيرة لسنة 5002م ولاختصاصات وزارة الري التي حددها القرار الجمهوري «43»، وقانون الري والصرف ليأتي هذا القرار الصادر من النهضة الزراعية دون ان يراعي تلك القوانين جميعاً.
واضاف فضيل: هذا القرار رصاصة رحمة على قانون مشروع الجزيرة الذي حدد العلاقة بوضوح بين وزارة الري وادارة المشروع والمزارعين عبر روابط مستخدمي المياه، حيث نص القانون على اعطاء صلاحيات ادارة الري لوزارة الري، والتي تؤهل البنيات من ترع وحواجز وخزانات وابواب وقنوات صغرى خلال «3» سنوات على ان تؤول بعدها إدارة الري للوزارة في القنوات الكبرى، بينما الترع الصغرى تدار عبر روابط مستخدمي المياه التي تتعاقد مع وزارة الري للحصول على المياه وتابع: «وبالتالي لا يمكن لامانة النهضة الزراعية ان تلغي نصوص قانون مشروع الجزيرة أو تتجاوز المؤسسية قبل تعديل قانون المشروع، كما لا يمكن ان يطبق هذا القانون بين عشية وضحاها، بل النقابة ستقاوم القرار وتطبيقه وسترفع مذكرة لنائب رئيس الجمهورية ووزير الري ورئيس اتحاد العمال والاجهزة المختصة كافة تطالب باعادة النظر في هذا القرار، بجانب انشاء آلية لتنفيذ قانون مشروع الجزيرة الذي نص على بقاء الري تحت إدارة وزارة الري». كما ستعقد النقابة اجتماعا اليوم للجمعية العمومية لمناقشة القرار وتداعياته والتأكيد على رفضه وعدم التعامل معه. وعضد د.احمد آدم وكيل وزارة الري الاسبق من موقف النقابة الرافض للقرار بقوله ان القرار يتعارض مع قانون مشروع الجزيرة لسنة 5002م والذي حدد بوضوح مسؤولية ادارة المياه بواسطة وزارة الري لكون المياه شيئاً سيادياً متعلقاً بالدولة وتمثلها وزارة الري، اما الزراعة فهو نشاط اقتصادي يمكن ان يقوم به القطاع الخاص والذي لا يمكن ان يقوم بدور سيادي مثل ادارة المياه خاصة وان مشروع الجزيرة بدأت خصخصته وحلت ادارته وتم الاستغناء عن العاملين جميعهم ما عدا مدير المشروع.
كما ان قانون مشروع الجزيرة حدد العلاقة بين وزارة الري وادارة المشروع والمزارعين بوضوح، لذلك هذا القرار يتعارض مع قانون مشروع الجزيرة ولابد من مراجعته والابقاء على احقية وزارة الري في ادارة المياه خاصة وان الوزارة تاريخياً ظلت تقوم بهذا الدور وتأهيل البنيات والقنوات وتدير الخزانات وتمتلك خبرات بشرية تؤهلها للقيام بهذا الدور، فقط مطلوب توفير التمويل اللازم لتأهيل بنيات الري بمشروع الجزيرة والذي مشكلته ليست ادارة وانما تأهيل بنيات الري عبر توفير التمويل المطلوب لذلك. واشار د.احمد آدم الى فشل قرار مماثل لهذا القرار صدر في عهد نميري من وزير الري ولكن النقابة قاومت القرار ورفضته واقتنع الوزير برؤية النقابة وبقيت ادارة الري مسؤولية وزارة الري وليس مشروع الجزيرة رغم محاولات النظام المايوي دمج وزارة الري مع الزراعة لتصبح واحدة، ولكن فشلت تلك المحاولة واصبحت وزارة الري وزارة سيادية مستقلة مسؤولة عن المياه وادارتها ولذلك ينبغي ان تظل وزارة الري مسؤولة عن هذا الملف في كل المشاريع الزراعية، فالخصخصة لا تسمح بان تؤول المسؤوليات السيادية الى القطاع الخاص، لا سيما مسؤولية ادارة المياه.
لكن د. الامين دفع الله مدير مشروع الجزيرة الاسبق ورئيس لجنة الزراعة بالبرلمان اعلن عن تأييده لقرار ايلولة ادارة الري الى مشروع الجزيرة بدلا عن وزارة الري، ووصف القرار بانه يعطي مشروع الجزيرة حرية في عملية ادارة المياه وحسن استغلالها، وانهاء الجدل عن من المسؤول عن العطش بالمشروع واختفاء شماعة الري لتصبح المسؤولية متكاملة لدى مشروع الجزيرة. وتابع: «هذه تجربة ووسيلة لايجاد ادارة للمياه وخطوة يجب ان تجرب كما انه قرار صائب سيكون له أثر ايجابي».
ونفى د. الامين ان يكون القرار متعارضاًَ مع نصوص قانون مشروع الجزيرة لسنة 5002م، مبيناً ان هنالك سوء فهم لهذا القانون وتسرع في تنفيذه اسهم بوضوح في تفاقم الازمة بالمشروع، واصفاً المحاولة الحالية «القرار» بانها كانت عنق الزجاجة في السنوات الماضية والمشاكل في ادارة الري والمشروع بشأن المياه، ولذلك حتى تنتهي الشكوى يجب ان تكون تحت ادارة مشروع الجزيرة، وتلافي الخلل الذي ظهر بعد ايلولة ادارة الترع الفرعية والصغرى لروابط مستخدمي المياه بجانب احكام الرقابة على المياه بمشروع الجزيرة.
وقد نوه د.الامين الى ان القرار لم يصدر بصورة فوقية وانما حدث فيه تفاهم لا سيما وان وزير الري مسؤول عن دائرة في النهضة الزراعية، واي شيء يناقش فيها على مستوى الادارة وبالتالي سيكونون قد وصلوا لقناعة شارك فيها الجميع. وتابع: «ولذلك لا اتوقع ان تكون هنالك معارضة للقرار على الاقل على المستوى الوزاري، وليس العاملين بالري».   

 


سنهوري عيسى.



مقالات اخري للكاتب