عن مشروع الجزيرة
الكاتب: محجوب عروة   
الجمعة, 10 ديسمبر 2010 20:50

كتبت مراراً عن مشروع الجزيرة الذي تفوق مساحته مع امتداد المناقل مساحة هولندا. هل يعرف عزيزي القارئ كم هو دخل هولندا من عائد صادرات الزراعة بشقيها النباتي والحيواني؟ هو أكثر من مائة واربعين ملياراً!! هذه احصائيات قبل عشرة أعوام!! هولندا تنتج كل الغذاء لمواطنيها من غذاء نباتي وألبان ومشتقاتها وزهور وغيرها من لحوم وخلافه، تكتفي ذاتيا وتصدر الباقي بما قيمته ذلك الرقم.
كم يساوي مشروع الجزيرة قبل أن تسرق سكك حديده وتباع بعض ممتلكاته؟ واذا أضفنا القنوات والجداول للري؟ حقيقة لا أعرف وكلما سألت مختصا لم يعطني أحد المعلومة الصحيحة. لكن لنفترض أن المليوني فدان اذا حسبنا القيمة التي قدرت للفدان الواحد ثلاثة ملايين جنيه بالقديم للتعويض تصبح قيمة كل الأرض ستة مليارات..
هذه حقوق الملاك والمزارعين سواء كانو ملاكا ملكا حرا أو مستأجرين من الحكومة. كم يساوي ذلك بالدولار؟ وكم تساوي قيمة السكة حديد( التي فضلت) وكل قنوات الري وجميع الأصول الأخرى ما بقي منها؟ هذه يمكن حسابها بسهولة.
مشروع الجزيرة عندما بدأ كان لتغذية مصانع لانكشير بأفضل أنواع القطن وشكرا للإدارة البريطانية التي أنشأت خزان سنار لهذا الغرض ومعه خطوط السكة حديد، وعندما غادرت لم تأخذ كل ذلك لبريطانيا مع جنودها المغادرين بل تركت كل المشروع كمصدر معيشي واقتصادي مستمر لأهل السودان عامة وأهل الجزيرة على وجه الخصوص، وأصبح مشروع الجزيرة لوقت طويل هو العمود الفقري الاقتصادي والمصدر الأساسي للعملات الحرة للحكومات السودانية تدعم به ميزانياتها ومشترواتها من الخارج.. ثم ظل مشروع الجزيرة مشروعا اجتماعيا كذلك أكثر من كونه مشروعا ربحيا، ولا شك أنه ساهم كثيرا في تنمية الجزيرة وتعلم أبنائها تعليما حديثا، ولكنهم بطبيعة الحال وبحكم تخصصاتهم تركوا الزراعة لآبائهم واتجهوا نحو عاصمة السودان وعواصم العالم، ومات الآباء فورثتها عناصر جديدة وتوزعت الأرض بين الورثة ولم تعد ذات جدوى اقتصادية فباع من باع لأناس معظمهم من خارجها بل من غرب أفريقيا وهؤلاء غير معنيين كثيرا بأبعاد المشروع الحقيقية أو ما يجب أن يكون عليه مستقبلا، والأوفياء من أهل الجزيرة ( ملح الأرض) استمروا فى الزراعة كميراث وبعضهم أجرها لمزارعين بنظام الشراكة محتفظا بأرضه التي ورثها أو اشتراها.
ومن ناحية أخرى لم تنجح كافة السياسات في علاقات الإنتاج منذ الاستقلال والتي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في رفع مستوى المشروع لما ينبغي أن يكون، سواء كانت بالحساب المشترك أو الفردي أو غيرهما حاليا.
وهنا ينشأ سؤال: هل يظل المشروع ذا خاصية اجتماعية أم يجب أن يتحول لخاصية ربحية؟ قطاع كبير ربما بتأثيرات فكرية وتاريخية واجتماعية يريدون المشروع كسابقه ذا بعد اجتماعي وهؤلاء يرفضون البعد التجاري الربحي ويتشككون في أي سياسة جديدة خاصة اذا جاءت من نظام الإنقاذ ويقولون إن المنهج الربحي سيصب في صالح الإنقاذيين لأنهم القادرون ماليا أو ربما يبيعونه ويسمسروا فيه كما حدث لغيره من مشروعات ومؤسسات أخرى رابحة تحت ستار الخصخصة، منهج حق أريد به باطل، أما الربحيون ومنهم الإنقاذيون وعلى رأسهم د. المتعافي فيريدونه مشروعا ربحيا..
فكيف نوفق بين هذين المنهجين والمدرستين؟ سؤال يفرض نفسه.. هل من حل وسط ومقبول للجميع يوفق بينهما؟ أحاول الإجابة غداً بإذن الله وأقول وجهة نظري، وليشارك معي القراء لإنقاذ هذا المشروع الذي بدأ عملاقا والآن يتهاوى.. انتظروني.