الجزيرة تحت هجير الشجرة
الكاتب: خالد فضل   
الجمعة, 10 ديسمبر 2010 22:27

 لعله من غير الطبيعي أن يستظل الناس بالهجير، ولكن عندما يصبح الأمر واقعاً فلا مجال للاستغراب على كل حال. وهذا هو عين الحادث في مشروع الجزيرة أو بالأحرى ما كان يسمى بمشروع الجزيرة.

ـ حدثني أحد أساتذتي في المدرسة الابتدائية، ممن لا أشك في صدق روايته بواقعة، قال إنه ملكها لأحد الزملاء في صحيفة زميلة تصدر بالخرطوم ـ للأمانة لم أطلع على تلك الصحيفة لأرى إن تم نشر تلك الحادثة أو الملاحظة أم لا ـ المهم

شكا لي معلمي ذاك، من الإهمال واللامبالاة التي تسود في ممتلكات مشروع الجزيرة وتحديداً في مكاتب الغيط المنتشرة بطول المشروع وعرضه، وفي قريتنا على بعد (نمرتين) لمن يعرفون نظام المشروع يقع أحد تلك المكاتب، وقد تحول الآن إلى خرابات بعد أن كان عامراً ضاجاً بالموظفين والعمال ومكتب التفتيش ومخازن الإدارة، وبعد أن كان منذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا يمثل واحة خضراء باسقة الأشجار معشوشبة المساحات تزينه الزهور التي كنا نمتع ناظرينا بها دون أن نجرؤ على قطفها، كنا نعاين بس نعاين!! الآن صار المكتب داراً مهجورة وأرضاً بوراً بلقعاً، لقد تبدل الحال تماماً بعد أن جفت الأشجار وغادره من كان يبث فيه نفس الإنسان وأصبح الهجير هو ظل الشجرة.. تلك التي تصلي البلاد بحممها كل صباح ومساء حتى أوردته مهالك التمزق والانفصال والانقسام والتشرذم والعودة إلى عهد ما قبل الدولة الحديثة حيث الجهويات والقبليات في أسوأ ممارساتها.

 

ـ قال لي ذلك المعلم، إنه قد لاحظ أن ممتلكات تلك المكاتب بما فيها من مخازن وتجهيزات المباني كالأبواب والشبابيك وخطوط المياه وربما أسلاك الكهرباء والمحولات وغيرها من تجهيزات قد أصبحت نهباً لكل من يغشى المكتب، كما أن محتويات المخازن من أسمدة أو تقاوى أو معدات زراعية قد أصبحت هي الأخرى عرضة للنهب دون أن تكون هناك جهة مسئولة عن العهد أو حفظ هذه الأشياء لحين تسليمها إلى "الشركات القادمة" أو بيعها في مزاد علني لصالح وزارة المالية أو حتى تحويل هذه الممتلكات لمصلحة أهالي القرى المحيطة بالمكاتب، ومضى ذلك المعلم مضيفاً أن أحد أقربائه ويعمل مسئولاً كبيراً في إدارة المشروع قد حاول ذات مرة أن يقوم ببعض الاجراءات القانونية ضد بعض المواطنين في قرية مجاورة استولوا على خطوط نقل مياه الشرب لأحد المكاتب القريبة من قريتنا ولكنه ـ أي ذلك المسئول فوجئ بمن يوبخه من المستويات العليا في الادارة على تدخله فيما لا يعنيه واهتمامه بممتلكات لم تعهد إليه ولايتها.. فسكت!!

 

ـ نعم لقد بلغ الحال في مشروع الجزيرة مبلغاً لم يعد من الممكن الحديث عن اصلاحه، فقد تم تدمير المشروع تماماً، لم يبق منه شيء إلا الآهة والذكرى التي تصدر عن أفواه أهله من المزارعين. ومع ذلك، ورغم ذلك فإن ولاية الجزيرة والمزارعين كانوا الأكثر حضوراً على قوائم حزب الشجرة وبالنسبة لي لم أعرف معنى وتطبيق المقولة الذائعة "جوّع كلبك يتبعك" إلا في أهلي في مشروع الجزيرة.. فقد عاملهم حزب الشجرة بهذه المقولة تماماً، فهدّ عليهم مشروعهم، وأفقدهم مصدر رزقهم وحولهم إلى بؤساء رغم الإمكانات وإلى فقراء رغم امكانيات الثراء وحولهم من أناس مستنيرين إلى جهلة تابعين، ومن أصحاب شأن إلى هوان، ومع ذلك (تبعوه) وصوتوا لمرشحيه كما لم يحدث من قبل!! وللأمانة فإن حالة أهل الجزيرة مع حزب الشجرة تحتاج إلى علماء مختصين في علم الاجتماع وعلم النفس لدراستها، فمهما كانت وسائل القمع والقهر والإرهاب والتزوير التي مارسها وما يزال هذا الحزب إلا أن هنالك حداً أدنى من الكرامة الإنسانية ما كنت أعتقد أن أهل الجزيرة سيفقدونه في يوم ما، ولكن هذا ما حدث والعياذ بالله.

 

ـ عموماً، قلت لأستاذي ذاك، لا بأس عليكم، والجاتكم في مشروعكم ومستقبلكم سامحتكم، فقط أبقوا عشرة على "الشجرة" وعوضاً عن ماء الترع، التي جفت، وشوالات الذرة التي صارت حصادكم من (البلدات) التي كانت حواشات، المطلوب منكم الآن أن تقدموا أرواحكم ودماءكم فداء لمشروع الشجرة القادم..

 

وحقاً من يهن يسهل الهوان عليه.. ما لجرح بميت إيلام.