مشروع الجزيرة قدوة الوحدة الجاذبــة والتعايش
الكاتب: Sayed Elhassan   
السبت, 18 ديسمبر 2010 10:56

منذ قيام مشروع الجزيرة فى عشرينبات القرن الماضى بدات الهجرة اليـه مـن أنحاء السودان ومـن الدول المجاورة- يسكن منطقــة بيـن النيليــن الأبيض والازرق قبائل منذ مئات السنين مثالا لاحصرا رفاعـة والحلاويـن والكواهلة والدباسين والعوامرة وقبائل اخرى هؤلاء كما الهنود الحمر بأمريكيا أصحاب الأرض الأصليين- وكانت تمتهن هذه القبائل الزارعة المطريــة والرعــى - تحولوا بقيام مشروع الجزيرة الى ملاك للحواشات مع تمليك نسبة قليلـة من الحواشات لقبائل غير القبائل المتأصلة فعلا فى المنطقة لآعتبارات خاصة جدا –

 

(1) المهاجرون مـن شمال السودان :-

عند قيام المشروع رأت الأدارة انها فى حوجـة الى تعييــن بعض العمال كخفراء ترع وعمال جنائن وأستقدامهم مـن مناطق خارج منطقــة بين النيليــن وذلك لنقص الكفاءات المطلوبــة فى أبناء المنطقــة - قد يحتار البعض ما هى الكفاءات؟ الكفاءات المطلوبـة هى القراءة والكتابـة البسيطة جـدا فى حالة الخفراء وذلك لتسجيل مناسيب المياه وقراءة تعليمات مهندس الرى وتعليمات المفتش وكلها رقميــة – حيث أن الخبرات الأجنبيــة المستقدمة لا تعرف الأنجليزية المكتوبة- أما عمال الجنايــن فهذه الفئـة كانت لا توجـد مـن يشغلها لقلة الكفاءة أيضــا - مواطنى المنطقة رعاة وزراعة مطرية تنقصهم كيفية التعامل مع الأشجار والمنتجات البستانية - هاتان الفئـتان تم أستقدامهم من شمال السودان الشايقية والجعلييــن والدناقلة والحلفاوييــن لما لهم مـن خبرة فى رعاية الأشجار والمنتجات البستانية - وكان السكان الأصلييــن أصحاب الحواشات يطلقون عليهم أسم ( الدناقلة ) حيث أنـه مـن وجهة نظر مواطنى الجزيرة فى ذلك الزمان أن كل مـن يأتى مـن شمال الخرطوم فهو دنقلاوى - مع العلم أن الدناقلة الأصلييــن لم تهاجر الى الجزيرة منهم الا فئــة قليلة جــدا - حيث أنه كان عندهم مشكلة لغة التخاطب حيث أنهم لا يعرفون اللغة العربية حتى الدارجيــة المستعملة فى المنطقــة - كانت مناطق سكن هؤلاء القناطر والمكاتب لكن لاحقــا عندما أستوطنوا فى الخمسينيات والستينيات فى بعض المدن مثل المناقل والحصاحيصا وطابت والهدى وأبوقــوته أطلق أهل الجزيرة على أحيائهم أسم ( حى الدناقلة) وفى كل المدن المذكورة وحتى تاريخ اليوم - مع العلم أنـه حتى تاريخ اليوم مع العلم أن قبيلة الدناقــلة تشكل نسبة بسيطة جدا منهم أذا ما قارناهم بالشايقية البديريــة والجعلييــن والذين يشكلون نسبة عالية لكن الأسم ما زال حى الدناقلة – وقصــة سكنهم فى بعض المدن أتت لاحقا عندما أشتعلوا بالتجارة - نسبة لأن وضعهم المادى برواتب ثابتــة كان أفضل ومكنهم مــن توفير رأس المال والعمل بالتجارة – وأن هدف هجرتهم أصلا الحصول على وضع مادى أفضل –

هناك فئة هاجرت مـن شمال السودان ليس للعمل بأدارة المشروع أو التوظيف - بل هؤلاء عمال مهرة لا تتوفر كفائتهم فى مواطنى الجزيرة وهم الشايقية المتخصصـين فى بناء الجالوص ( الطين) - حيث أن تغييــر نهج حياة المزارع تتطلب أن يكون له بيت ثابت مـن الجالوص بدلا عــن الشمال ( جمع شملة ) والرواكيب المبنيــة مــن القش ( التمام نوع معروف مـن القش ) والقصب -- عند تحسن وضع المزارع أقتصاديا بدأ فى البحث عــن العمال المهرة الذين يجيدون بناء الجالوص وأستقدموا أهلنا الشايقية - كان المزارع يفتخــر بأن ديوانــه ( صالون) ومنزله بناء شايقية أصلى –

(2) القبائل المهاجرة مـن غرب السودان وحتى مـن تشاد ونيجيريا :-
هذه كانت هجرتها مؤقتــة وموسمية للقيط القطن وزراعة وحش القطن والذرة - ولا حقا شراكات مع المزارع فى زراعة الفول لما لها مـن خبرة فى زراعـة الفول ونجحوا كثيرا فى زراعــة الفول أكثر مـن المزارعيـن مالكى الحواشات - هـذا لا يعنى أم المزارع أقطاعى لا يعمل – المزارع واسرته يعملون بالزراعة والحش والحصاد أيضا - حيث أن الأيدى العاملة المطلوبــة أكبر بكثير مــن المواطنين بالمنطقــة - ومن القبائل المهاجرة مثالا لا حصرا الهوسا والفلاتة والزغاوة والبرنو والفور – بدليل أن الطلب أستوعب عمالة مـن نيجيريا وتشاد -
هؤلاء كانت هجرتهم موسمية فى البداية وكان المزارع يجهز لهم مساكن مؤقــتة مـن القصب داخل الحواشة – مكان زراعة الذرة - للاحقا فضلوا الهجرة نهائـيا والأستقرار بالجزيرة وسكنوا كنابى ( جمع كمبو ) مجاورة لقرى المزارعيــن – حيث أن المفتش الأنجليزى عند توزيع الحوشاتا والقرى أعطى كل أسرة تملك حواشة مساحة معينة بالقريــة للسكن مما يؤكد أن كل مساحة القرى موزعة لملاك الحوشات - المفتش الأنجليزى لم يهمل توفير مساحة للمدارس والخدمات وحرم للقرى مـن الأمام والخلف -- المواطن تعايش مع القادميــن مـن غرب السودان وسمح لهم بأستعمال حرم القرية للسكن مما يدل على حسن ضيافة أصحاب القرى وأحترام المهاجرين وحسن تعاملهم – ولولا أن القادميــن له من الأخلاق الحسنة وحسن التعامل لما سمح لهم مواطنو القرى بالسكن – وهذه الكنابى صارت لاحقا بمبانى ثابـتة بعد الأستقرار والتواصل
الأجتماعى مع وسط مجتمع القريــة – البعض مـن هؤلاء أشتغل بالتجارة لاحقا واستقر بالمدن الآنف ذكرها مع ناس الشمالية ومازالوا -

(3) هناك قبائل مهجرة هجرة ثابتة منذ الباديــة - هجرها الأنجليز فى ما يسمى بمشروع عبد الماجد وهو أمتداد لمشروع الجزيرة – هؤلاء ومعظمهم حسانية وحسنات هجروهم مـن شرق وغرب النيل الأبيض بعد أغراق أرضيهم الزراعيــة بخزان جبل أولياء - وهؤلاء تم منحهم حواشات بالمشروع تعويضا لأراضيهم الغرقانــة – وتم منحهم أراضى للبناء فى القرى – ومـن حكمة الأنجليز أنه تم توزيعهم بالقرى مع قبائل المنطقــة حتى يتم أنصهارهم فى المجتمع وخوف الأنجليز مـن رفضهم التهجير وأحتجاجهم لاحقا - هؤلاء تم تشتيتهم بين القرى مع أولاد عمهم الكواهلة وخاصة فى منطقة أبوقوتة وما زالوا –

(4) فى أوائل الستينيات عند قيام أمتداد المناقل بدات القبائل الجنوبيــة بالهجرة الى مشروع الجزيرة حيث الموقع جغرافيا قريب مـن جنوب امتداد المناقل بأعداد بسيطة أزدادات لاحقا بعد الطفرة الأقتصادية لمشروع المناقل فى منتصف الستينيات وبدأ المزارعون البناء بالطوب والأسمنت بدلا عـن الجالوص وكانت البداية من مدينة المناقل ووجب أستقدام عمالة مهرة للبناء متخصصين فى بناء الطوب ووصل معظمهم من القبائل الجنوبية الشلك والدينكا والنوير - أستقروا لاحقا بالمدن وما زالوا-

مما ذكر اعلاه نجد أن كل قبائل السودان أستوطنت بالجزيرة وما زالت منصهرة ومنسجة فيما بينها وفيما بينها وبين ملاك الحواشات - ولم نسمع أبدا أن هنالك تفرقــة سواء كان مـن ناحية الدم أو اللون أو الديــن حتى يومنا هــذا – اللهم الا فى مسألة المصاهرة وذلك نسبة لتبايــن عادات وتقاليد كل قبيلة وحتى داخل القبيلة الواحدة كل فخذ له عاداتــه وتقاليده وأن بدأت فى السنوات الأخيرة تتلاشى ونجد الآن جيل فى العشرينيات من أعمارهم نتاج المصاهرة بيـن القبائل – أما من ناحية أقتصادية نجـد أن الكل يساعد بعضه بعضا لتأديــة عمله دون حسد أو ظلم ويتكافلون وكلهم سباقون لعمل الخير والعمل العام وخدمــة المحتاج -

لو أخذنا مثال الجزيرة فى ذلك الزمان - ونفتخر بأنهم ما زالوا - قدوة للتعايش بين القبائل السودانية فى مختلف أنحاء السودان لما سمعنا ما نسمعه اليوم عـن الجهويات والقبليات فى التعامل والسياسة والأقتصاد - البعض من المهاجرين من غرب السودان أنصار أندمجوا مع أنصار الجزيرة – البعض ختميـة أندمجوا مع ختميـة الجزيرة والبعض حيران شيوخ طرق صوفية أندمجوا مع حيران شيوخهم وكلهم لا يفرق بينهم الدين أو اللون أو العقيدة أو النسب وهذا فخرا للجزيرة وحتى تاريخ اليوم – نسال الله أن يديم الود بينهم -