الاقتصاد الاخلاقى الكولينيالى والتنمية كنظام للضبط---مشروع الجزيرة والسودان "الحديث
الكاتب: فكتوريا برنال – جامعة كاليفورنيا – ارفين   
الأربعاء, 22 ديسمبر 2010 20:41
فهرس المقالات
الاقتصاد الاخلاقى الكولينيالى والتنمية كنظام للضبط---مشروع الجزيرة والسودان "الحديث
الامبريالية ، الزراعة/الثقافة والحداثة :
النقش والمحو على نصب تذكارى : بناء مشروع الجزيرة
المحاسبة واستعمار التقاليد
التحرر وتشييد السلطة الاستعمارية
خلاصة
جميع الصفحات
ترجمة عصام على عبدالحليم

(...) بأن الحكومة هذا ( الحمار الحرون ) فى اعتقادهم ، قررت ايضا ( ...) أن تنظم اراضيهم كلها فى مشروع زراعى كبير تشرف عليه الحكومة نفسها بما لها من قوة وسلطان ؟ وجدوا بلدهم فجأة تعج بالمساحين والمهندسين والمفتشين.

- الطيب صالح ، عرس الزين

فى نفس الوقت الذى كان ايفانز برتكارد يجرى فيه ابحاثه عن الزاندى والنوير فى جنوب السودان ، – وهى تلك الابحاث التى تحقق حظا من الشهرة الحالية – كانت المتغيرات تسعى فى السهول العظيمة الممتدة بين النيلين جنوب الخرطوم لتغير مجرى التاريخ السودانى . كان البريطانيون يعملون فى شراكة مع راس المال العالمى على تحويل ملايين الافدنة المأهولة بالمزارعين والرعاة ، الى مشروع مروى ضخم لزراعة القطن . بدا العمل فى المشروع فى 1925 ، ليغدو اكبر مشاريع الرى المركزية فى العالم . ولا زال المشروع مستمرا فى العمل حتى اليوم فى ظل ادارة الحكومة السودانية .

تهدف هذه الدراسة الى تقديم فهم جديد للمشروع ، وربما فهم جديد لمشاريع التنمية عموما ، وذلك بتركيز الانتباه على الابعاد الرمزية لمثل تلك المشاريع الضخمة ، وهو مالم تفعله العديد من الدراسات التى ركزت فقط على الترتيتب الاقتصادى للمشروع ومجموع السياسات التى حكمته . فاذا اقتفينا اثار ميشل (1988) فى تحديده مهمة الاستعمار باعتبارها تهدف – فى الحقيقة والمجاز - الى خلق نظام عالمى ، الى ترتيب العالم ؛ يمثل مشروع الجزيرة فى هذا الصدد ليقدم اسطع النماذج . فقنوات الرى الممتدة فى اميال واميال , والحواشات المتتالية مرصوصة فى اتساق مضطرد يملأ الفراغ ، والمواعيد الموقوتة للعمليات الزراعية، كلها ، تخلق تحديدا صارما للزمن ، الضباط الزراعيون والموظفون يفتشون ، يسجلون ويفرضون النظام .. كلها عناصر فى بنية تطمح فى التحكم على الناس فى منطقة الجزيرة . يجب – اذن- فهم مشروع الجزيرة "كمؤسسة للضبط والمراقبة " ، باستخدام لغة فوكو ، وفى سبيل الوصول الى هذا الغرض ، يتوجب علينا ازاحة البعد الاقتصادى( العاتى) للمشروع من موقعه المركزى حتى نستطيع النظر الى خصائصه الثقافية النوعية ؛ بحيث يصبح التعامل الاقتصادى مجرد احد الوسائط التى تساهم فى بناء تعقيد العلاقات الاجتماعية . بالنظر الى المشروع الزراعى واعتباره مؤسسة للضبط والمراقبة ، يتضح دوره فى بناء العلاقات الاجتماعية الكلونيالية وبالتحديد العلاقة بين الحكام والمحكومين .(1) وبهذا الفهم فإن مشروع الجزيرة يمثل جزءا من رؤية استعمارية اكبر لبناء نظام سياسى ولتأسيس علاقات السلطة . ينحصر اهتمامى هنا ليس فى الدور الذى لعبه المشروع فى عملية استعمار السودان ، بل كيف لمشروع مثل هذا معنى – كما يبدو – باهداف اقتصادية محددة ان يمتلىء ويفيض بقيم غير اقتصادية ومعان ثقافية لقد لفتت الدراسات فى الاقتصاد الاخلاقى للمزارعين الانتباه الى المعانى والقيم المغروزة فى سلوكهم الاقتصادى . كثيرا ما تقارن سلوكياتهم – فى وضوح – بالتصرفات الاقتصادية للغرب ، والتى يفترض فيها انها صادرة عن حساب عقلى ، تقودها اهداف اقتصادية محددة ( اورسوف 1993 ؛ اسكوت 1976 ) . تمتلىء العبارات الاستعمارية بصدد المشروع ، بمثل هذه الافتراضات ، وقد تضمنتها كل النصوص التى كتبت لاحقا عن المشروع . إن الانتباه للمعانى الثقافية للمشروع كما عبر عنها الفكر البريطانى ، تقترح ان مثل هذه المشاريع تتضمن اكثر كثيرا من مجرد المصالح الاقتصادية للقوة الحاكمة . هذه المعانى الثقافية يمكن اخذها كتعبيرات عن مايمكن تسميته : " الاقتصاد الاخلاقى الكلونيالى ".(2) فالعقل والحساب يبدوان كوظيفة للعقل الاوربى وليس كمبادئ ( او جنود ) للافعال الكلونيالية ، تقدم من خلالها الحضارة الغربية ، وتميزهم فى نفس الوقت عن اولئك الخاضعين لحكمهم . ويمكن قراءة الخطاب الكلونيالى عن التنمية الزراعية بإعتباره تأكيدات ثقافية مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية للامبراطورية فى نفس الوقت الذى ترتبط فيه بالمحاصيل .

بالرغم من ان المشروع لم يكن ناجحا تماما بمقاييس الاداء الاقتصادى ، ولكنه نجح فى العهد الاستعمارى كرمز للحداثة الاقتصادية ، وكنصب تذكارى لقيم العقل والضبط والنظام ،
واستمر يؤدى دوره كرمز للتقدم حتى اليوم بفضل من قوة جهاز الدولة .
يعتمد بحثى فى الاقتصاد الاخلاقى الكولونيالي لمشروع الجزيرة بشكل اساسى على كتاب ارثر جيتسكل ، والذى ابتدأ العمل فى الجزيرة فى 1923 ، ليتولى ادارة المشروع فى 1945 حتى تقاعده فى 1952 . نشر جيتسكل كتابه المعنون " الجزيرة : قصة تنمية فى السودان " فى 1959، اى بعد استقلال السودان . وقد قام الكتاب فى صفحاته ( التى بلغ عددها 357 صفحة ) على استلهام التجربة الشخصية لجيتسكل الى جانب مصادر كولونيالية اخرى . يمثل الكتاب نصا مهما لاستكشاف الاقتصاد الاخلاقى للاستعمار ، لانه كُتب بواسطة احد اهم اللاعبين فى مشروع الجزيرة ، والحقيقة ان مجرد اهتمام جيتسكل بالكتابة عن المشروع لهو امر يومئ بالكثير . لم يكن مشروع الجزيرة مجرد عمل اقتصادى ، بل كان رمز عالي مشيد من مادة غنية تزخر بالمعانى ، ولقد كتب جيتسكل فى مقدمة كتابه ان الثيمة الاساسية لنصه هى السوال : " ماذا يمثل العالم الغربى ؟ " .
بالرغم من تعدد البحوث عن مشروع الجزيرة ( بارنت ( ) 1977 ، بارنت وعبدالكريم 1991 ، وجيتسكل 1959 ) إلا أن الاسئلة التى عالجتها هذه البحوث كانت محدودة فى مداها ( انظر بربال لتجد نموذجا للنقد ) . كثير من الدراسين لمشروع الجزيرة يلجأون لجيتسكل كمصدر ، ولكنهم ياخذون قليلا من المعلومات بدون معالجة نقدية لنصه ومنطلقاته . لقد سيطرت الحوارات بصدد الوضع الطبقى للمزارعين على كثير من الدراسات الاجتماعية التى اجريت على المشروع ، كما عكس بعضها اهتمامات النيوماركسين بعلاقات الانتاج وموضوعة الاستغلال . ولكننا نركز هنا على ثقافة القوة ، وهى التى لم تصادف انتباها كبيرا فى كل تلك الدراسات السابق ذكرها . يقوم التحليل هنا بتناول نص جيتسكل كمنتج لثقافة استعمارية ، ونعتمده – مع مصادر اخرى - لفحص المعنى الرمزى لمشروع الجزيرة كما فهمه المستعمرون ، و لفحص الطرق التى اتبعها المشروع لغرز العلاقات الاجتماعية والسياسية للاستعمار . بينما لا تذكر ولا تنتبه الوثائق الاستعمارية لتصورات السودانيين حول مشروع القطن ، الا اننا – وبالرغم من ذلك – استطعنا لملمة بعض التصور للصراع بين النظام الاستعمارى والسودانيين الخاضعين له ، من بعض صفحات تلك الوثائق . ولقد تعمقت نظرتنا – ايضا – لتجربة السودانيين مع هذه المشاريع باستشارة التواريخ الشفاهية ، يحكيها المزارعون من قرية ودالعباس التى اجريت فيها بحثى الميدانى فى الثمانينات ( من القرن العشرين) .
تقع ود العباس على قرب من النيل الازرق فى منطقة الجزيرة ، وقد تم ضمها الى مشروع الجزيرة فى 1954 . تقترح حالة مشروع الجزيرة إن انشاء المشاريع التنموية ليس عملا اقتصاديا فى طبيعته بدءا ، بل هو عمل لبناء مؤسسات للضبط والتنظيم ، تقوم بتأسيس السلطة ، تقنن للاخلاق وترتب العلاقات الاجتماعية . ومشروع الجزيرة يتشارك فى هذه الخصائص مع العديد من مشاريع التنمية التى اقيمت بعد الفترة الاستعمارية .