ثغرة تلفزيونية
الكاتب: عبداللطيف البوني   
الثلاثاء, 28 ديسمبر 2010 10:10

في يوم السبت 20نوفمبر 2010 الموافق 14 ذو الحجة 1431 هجرية أي رابع أيام عيد الأضحى الأخير كان يوم (دق العيش) في حواشتنا فمنذ صباح الرحمن اصطحبت ابني وابن أختي اللذين كانا أكثر متابعة مني للموسم، حملت جوالاتي وخيوط الدبارة واصطحبت الدراسة (بفتح الدال) وهي آلة الحصاد، فالحمد لله ودعنا (الدق) اليدوي وإن كانت كل عمليات الحصاد السابقة للدق يدوية. أمضينا كل ذلك النهار تقريباً في الحواشة وكان يومياً جميلاً مع العمال والراديو والرعاة والذين يجمعون مخلفات الحصاد وطالبي (حق الله) بيد أن المحصلة كانت مخيبة للآمال فمتوسط الفدان لم يصل الخمسة جولات. علمت من صاحب الحاصدة أن المتوسط في المنطقة قد يكون أقل من خمسة جولات سألت صديقي الدكتور هاشم إبراهيم أستاذ الاقتصاد بجامعة أم درمان الإسلامية، وهو في قسم آخر من أقسام الجزيرة. فقال لي إن الإنتاجية لن تتجاوز الثلاثة جوالات في المتوسط في قسمهم.
ولما كنت منهكاً من (المقيل) في عملية الحصاد أويت للفراش مبكراً و"بنص يقظة" شاهدت نشرة العاشرة في التليفزيون الاتحادي ولكن فجأة طار النوم من عيني عند النشرة الاقتصادية. وسبب الدهشة أن النشرة الاقتصادية أوردت خبراً مصوراً عن حصاد الذرة من التكينة أي من ذات مكتبنا (اللعوتة) ومن حواشة على بعد كليومترات من حواشتنا وفعلاً كانت حواشة متميزة إذ رفع أحدهم قندولاً للذرة (قدر الشافع) ورأيت صديقي وقريبي ود سرالختم وهو يتحدث عن الإنتاجية العالية، وعن التقاوي والتقنيات الحديثة التي استخدمت في هذا الموسم. وقال صاحب الحواشة إن إنتاجيته سوف تصل خمسة عشر جوالاً للفدان (تبارك الله وماشاء الله وعينا باردة).
ليست هناك خطأ في المعلومات اعلاه فالتفاوت في الإنتاجية أمر معروف ولكن إن كانت ثمة مشكلة فإن التفاوت ما كان ينبغي أن يكون بالحجم أعلاه وفي ذات المنطقة. فقضيتنا اليوم هي النفاق والكذب عن طريق التليفزيون أو مايسمى الثغرة التليفزيونية. فالأمر المؤكد أن التليفزيون لم يحرك كاميراته ويأتي للتكينة من تلقاء نفسه إنما جهة ما حركته. ومن المؤكد أن هذه الجهة جهة مسؤولة تريد أن تتجمل أمام الجهات التي (فوقها)، فقامت هذه الجهة بتلك العملية الانتقائية في العرض التليفزيوني المشار إليه. نعم المعلومة المعروضة كانت صحيحة ولكن السؤال، هل متوسط الإنتاجية في كل الجزيرة خمسة عشر جوالاً للفدان ؟ أو حتى عشرة ؟ الأمانة كانت تقتضي أن يعرض التليفزيون كذلك الحواشات التي لم يصل متوسط إنتاجيتها لجوالين فقط وهي موجودة في الجزيرة، فإذا عرضت الأعلى أعرض الأدنى كذلك أو انتظر إلى أن ينتهي الموسم وأجمع المعلومات وأعرض للناس المعلومات المؤكدة. إننا نربا بالتليفزيون أن يكون أداة بيد المتلاعبين بهذه الأمور المصيرية فالقول بأن إنتاجية الجزيرة من الذرة وصلت خمسة عشر جوالاً للفدان سوف تهبط بأسعار الذرة مما يتضرر منه المنتج ليس في الجزيرة وحدها بل في كل مناطق إنتاج الذرة في السودان. فالتليفزيون إذا أراد أن يتابع الإنتاجية ويقدم سبقاً خبرياً ينبغي أن يفعل ذلك من تلقاء نفسه ويتحرك بحريته في الجزيرة ويعرض الحقيقة كما هي وليس بالصورة الانتقائية التي حدثت أعلاه . إن التليفزيون وقع في فخ أصحاب المصالح فمطلوب منه التحلي بالموضوعية وذلك بممارسة سياسة عرض الكوب كاملاً أي بنصفيه الملئ والفارغ لمصلحة البلاد والعباد .

 


عبداللطيف البوني.



مقالات اخري للكاتب