مشروع الجزيرة ونخبة الفشل
الكاتب: خليفة السمري – المحامي   
الأربعاء, 05 يناير 2011 22:30

نشرت صحيفة الصحافة في عددها بتاريخ 31 أغسطس 2010م تحقيقاً أعدته الأستاذة/ رجاء كامل تحت عنوان "أزمة الغذاء تهدد الملايين" جاء من بين ما جاء فيه أن المهندس عبد الجبار حسين عثمان الأمين العام للنهضة الزراعية كشف عن أن النصف الأول من العام الجاري2010م شهد ارتفاعاً كبيراً في فاتورة استيراد الأطعمة والأغذية من الخارج بلغت جملتها «2» مليار دولار، حيث استورد السودان في الفترة من الأول من يناير وحتى يونيو الماضي قمحاً ودقيقاً بقيمة «700» مليون دولار، وسكراً بقيمة «500» مليون دولار، والزيوت النباتية «250» مليون دولار، والألبان ومشتقاتها «250» مليون دولار، خضروات وفواكه «50» مليون دولار، وأطعمة مختلفة «250» مليون دولار، والجملة «2» مليار دولار.

   ويبدو لي أنه بهذا التقرير قد أصبحت مقولة أن " السودان سلة غذاء العالم" كذبةٌ بلغاء ومجرد شعار فضفاض لا يوافق واقع الحال، شأنه شأن الوهم العاطفي  المغافل في سنوات الإنقاذ الأولى الذي تجسد في الموال الشهير " فلنأكل مما نزع ..ولنلبس مما نصنع "ومن باب التندر والظرف المناكف عند اليسار السوداني  سمعنا موالاً آخراً يجاريه  " وكيف نأكل مما نزرع والزرع القام اتقلَّع .. وكيف نلبس مما نصنع والمصنع ذاتو اتشلَّع "، ويبدو لي أن أهل اليسار كانوا أقرب لقراءة الواقع من "مواويل" المغافلة التي  حملتنا إلى آمال الطلاقة وأحلام العبير إلى أن غفونا على الهوان وذل المسغبة وخواء البطون ،وما علمنا أن الذي كنا فيه لا يعدو أن يكون وهماً رغبوياً  على نمط  " حلم الجوعان عيش".

وكيف لا نحلم  ونغافل  ومذ كنا أطفالاً يفعاً ومناهجنا الدراسية تزخ في عقولنا  تلك المقولة العنقاء "سلة غذاء العالم "،عيونٌ جارية وأنهارٌ متدفقة وأراضٍ خصبة وغاباتٌ مد البصر وأنعامٌ وطيورٌ من كل صنفٍ ولون ، ولكن أين من يدير وأين من يقود ويفجر الطاقات في سبيل الإنتاج واستغلال الموارد،وأنى لنا بهادٍ رشيد يسلك بنا سبل الرشاد والفلاح ،بل أنى لنا بأنديرا سودانية تحقق لنا الأمن الغذائي على نحو ما فعلت شهيدة الهنود التي أفلحت في تحقيق الأمن الغذائي لبلد المليار نسمة وكفت أهلها بذلك كفر الجوع  وذل المثقبة ،مستعينة على ذلك بفلاح الهند لا بمزارعي الصين واندونيسيا،فأين هي بلاد السودان من ذلك ، بلادٌ بها من الموارد ما هو معروف للجميع ومع ذلك تستورد الطماطم  من أثيوبيا ، ولا يخجل أهلها من أن تمدهم سلطنة عمان " بالصلصة" المعلبة وهي الصحراء البلقع اليباب، ويحز في النفس أكثر أن تجد ماركة " حليب السعودية" في كل دكانٍ وبقالة في بلدٍ يقول أهلها إنها ثالث دول العالم من حيث عدد الأبقار، إنها فعلاً بلاد التناقض والغرائب والعجائب والأسحار التي تجفف الضروع ومن آثار شعوذتها تأبى الأرض الطيبة إلا أن تخرج  نكداً وغسلينا.

  إن الكثيرين منا يعتذرون بشح الإمكانيات، ولا يأبهون إلى السياسات التي أوصلتنا إلى استجداء الطعام من الآخر ، فالحق يقال إن القطاع الزراعي والحيواني جرى إهماله بوعيٍ أو بلا وعي لمصلحة المضاربات والثراء السريع الذي لا يأبه لأولويات التنمية ،بل كان مبلغ همه الحصول على العوائد بلا أدنى مخاطرة،ومن غير بذل أي مجهود،بلادٌ قيل لنا إن مصانع السكر فيها تدور ليل نهار،لكن يفاجأ أهلها أنها في نصفٍ من العام تستورد سكراً من الخارج يرهق البلاد بخمسمائة مليون دولاراً من العملات الحرة،وأضعاف ذلك ،لا لاستيراد مدخلات الطاقة النووية ، ومتطلبات التقنية والإنتاج ولكن لاستيراد ما يذهب الجوع ويقيم الأود من قمحٍ وزيتٍ وخضرٍ وفواكه ،وفي ظني أن كل ذلك قد حدث بسبب انصراف الدولة عن تشجيع الإنتاج ومجاراتها لنهم الكماليات التي لا تشبع بطنها من استهلاك العملات الحرة باسم الخصخصة والإصلاح الاقتصادي،حتى دهينا في أيامنا هذه بمن يقول لنا: يجب أن نجلب من الخارج من يفلح لنا أرضنا –وأي أرض هذه – إنها أرض الجزيرة الخضراء التي كان مفتشو الاستعمار الإنجليزي من فرط الإعجاب بأهلها ينعتونهم " بالبروسيين" – أي الألمان – لما يرونه فيهم من جدٍ ونشاط وإنتاج، وها نحن اليوم في ظل الحكم الوطني نسمع أخباراً هربنا منها بالآمال إلى الكذب،فكثيرٌ من منتدياتنا على الشبكة العنكبوتية تتحدث وتناقش خطة العجز والهوان التي تقول بأن أهل جوارٍ لنا سيحلون بنسب عالية محل مزارع الجزيرة في عملية فلح أرض المشروع الذي أعطى وما استبقى شيئا، ومع ذلك ما كان جزاءه عن جزاء سنمار ببعيد ،مشروع على أيام الإنجليز كان حديث العالم ،وملأت شهرته الآفاق،ولهجت بذكره  وسيرته العطرة مصانع النسيج في يوركشاير ولانكشاير، واليوم أصبح سبةً وعاراً في وجوهنا،لكم عرَّض وبَكَّت بها علينا بعض عرب الخليج حتى صارت  مقولة كسل السوداني محل تندرٍ وسخرية نعتذر عنها بالتشاغل والبسمات الصفراء التي تنبئ عن الضعف والهزيمة،مشروع الجزيرة فشلت الحكومة في إدارته وتطويره فشلاً تداعت له النوائح وثكلته الثاكلات،قنواتٌ نسجت عليها الطحالب، "وسرايات" سكن فيها البوم وخطوط نقلٍ ومحالج نامت عجلاتها ومكناتها عن الدوران،وإدارات كانت تموج حيوية ونشاطاً فإذا بها في ظل الإنقاذ لا تسمع لها ذكرا،ويريد اليوم أهل الحكم أن يلتفوا على فشلهم وعجزهم في كل ذلك بتسليم المشروع للغريب،ولن ندفن الرؤوس في الرمال مؤاربةً وجبناً فجذوة التمرد التي أشعلت التمرد في الجنوب والشرق والغرب بدأ الرماد عنها ينزاح في وسط البلاد،فالقاسم المشترك الذي فجر الصراع في تلك المناطق جميعاً هو الإحساس بالإهمال والتهميش، وهذا ما بدأ يتشكى منه إنسان الجزيرة بعد أن خارت قوى المشروع الذي قام به أمر السودان يوماً من الأيام، وفلح به حال الجميع حتى في أيام الاستعمار،ونقولها بصراحةٍ لا تعرف التكلف :إن الزج بالملايين من الأغراب في المشروع على النحو الذي أذاعته أجهزة الإعلام المصرية وملأ منتديات الشبكة العنكبوتية نقاشاً وحجاجا،سيجعل إنسان الجزيرة عموماً ومزارع الجزيرة على وجه الخصوص يستشعر الذل والهوان وعواقب ذلك على العاقلين اعتقد أنها غير خافية،خاصةً وان المزارع الطيب في هذا البلد الطيب لم يقع منه تقصير ولم يهجر أرضه عن رضا،بل تمسك بأهدابها رغم تنكر الحكومة له،إلى درجة أن الكثيرين منهم ظلوا يفلحون أرضهم مستعينين  على ذلك بما يجود به الأبناء المغتربين أحياناً،وبالإقراض أحياناً، مع أنهم يعلمون علم اليقين أن زراعتهم كاسدة وخاسرة بسبب تقصير الحكومة في كل ما كانت تقوم به في سابق العهد والأوان، فهم يزرعون أرضهم لأنها الفتهم وألفوها،بل تواطؤا على أنه من العيب أن تبور أرض أحدهم وهو فيه رمقٌ من الحياة، فهل يلوذ مثل هؤلاء بالصمت والسكوت إذا ما فتحوا أعينهم ذات صباح على غرباء يجوسون خلال الديار ليفلحوا أرضهم ويشعروهم بالعجز والذل والهوان،ولعمري إن تلك مخاطرة لا يقدم عليها عاقل ولا يورط نفسه فيها من هو حريص على خير هذا البلد الأمين،ولنا في سياسة الإنجليز أسوةً حسنة فيما يتعلق بأمر عملاق السودان ،فهم قد استعانوا بالعمالة المصرية على فتح الترع والقنوات وكل ما له صلة بتأسيس بنيات المشروع لكنهم أبداً لم يسمحوا ولا لواحد منهم بأن يفلح أرضاً أو يتملك منفعة "حواشة" لما يعلموه من حساسية الموضوع ،فاهتموا بتدريب المزارع السوداني وإكسابه مهارات الزراعة الحديثة ولم يركنوا إلى استقدام مزارعين من الخارج على الرغم من فارق المهارة في ذلك الوقت،فهم قد فعلوا ذلك لما يعلمونه من الارتباط الوجداني بين الإنسان وأرضه، وعند العقلاء فإنه لا فارق بين الأرض والعرض،واستباحة أحدهما تعني استباحة الآخر ضرورة وهذا ما يجعل الحكومة تحل في موضع أحط من موضع المستعمر، فهذا الأخير قد راعى مشاعر ملاك الأرض وتحاشى أن يشعرهم بالذل والمهانة لكن للأسف من خرجوا من رحم هذا الشعب الطيب ارتضوا له - بصنيعهم هذا - الضعف والهوان بغرض أن ينفكوا من تهم الفشل الإدارة والمحافظة والصيانة لمشروعٍ كان صمام أمان اقتصاد السودان في يوم من الأيام ،وما هكذا أبداً تفعل القيادات الناجحة التي تريد لأهلها الفلاح.

  وللأسف أيضاً إن ساسة هذا الزمان الأغبر،ما عادوا يعرفون ماذا تعني كلمة ساس يسوس،لا بل فات عليهم أن السياسة عند العاقلين هي "فن إدارة البشر وعدم التقافز على واقع المحكومين"،وهذا ما فطن إليه الإنجليز وهم يتعاملون مع إنسان الجزيرة ومزارع الجزيرة ،وللأسف تحاشاه وتغافل عنه بدمٍ بارد بعض متعلمي السودان الذين اقتاتوا على خير  هذا المشروع حتى إذا بلغوا الوزارة كادوا له وتنكروا لأهلهم وكرامة أهلهم وكان حافزهم إلى ذلك المداراة على فشلهم في تأمين الغذاء لهذا الشعب الطيب، ولنا أن نكرر في هذا المقام قول أهل اليسار السوداني " وكيف نأكل مما نزرع والمشروع ذاتو اتشلع"

  وفي الختام إننا نعتقد صادقين أن الأمن الغذائي يتحقق يوم أن يشعر السوداني بأنه يصنع طعامه بنفسه ويعتمد على ذاته في كل ما له علاقة بالإنتاج فالمثل الصيني يقول "إن كنت تحبني فلا تعطني سمكاً ولكن أعرني صنارةً لاصطاد بها"،فعلى الحكومة أن توفر للمزارع عموماً ولمزارع الجزيرة على وجه الخصوص مدخلات الإنتاج وأن تهتم بمراكز البحوث الزراعية وأن تضع في أولوياتها جدولة الديون عن المواسم الخاسرة لا أن تجلب له من يزاحمه في أرضه،ويوم أن تفعل ذلك ستجد الشعور بالعزة والكرامة قد دب إلى نفس المزارع،وإن هي لم تحي في المواطن هذا الشعور فلن تفلح في تحقيق الأمن الغذائي أبداً وإن سخرت له جن سليمان واستعانت فيه بعفاريت الأرض والسماء،فلنحذر جميعاً من وميض نارٍ تحت الرماد ،ولنعلم أن الشعب الذي تغنى بنشيد " يا غريب يالله لي بلدك ..لملم عددك ..وسوق معاك ولدك" لن يقبل بطبعه وفطرته أن يحل الآخرون في أرضه ويمنوا عليه بأنهم من حقق له الأمن الغذائي،لن يقبل ذلك وإن صارت أرضه يبابا بلقعاً ،وإن أفنته المجاعة والمسغبة،،بل لا محالة سينحاز إلى المتنبي يردد معه القول : والقفر أصدق من خليلٍ وده متغيرٌ متلونٌ متذبذب،ولا شيء بعد الشعور بالهوان سوى الثورة،والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،