(2) مشروع الجزيرة،إستعادته ليست خياراً، وإنما ضرورة
الكاتب: صديق عبد الهادي   
الثلاثاء, 10 ديسمبر 2013 06:10

الحلقة (2) من (2)

إن وثيقة التوقيع التي تناولها الناس نجد إنها، وبالنظر في تاريخ الإحتيال والتغرير بالمزارعين، ليست بجديدة وإنما هي نسخة فاقعة ومتناسلة مما كان قبلها، ولكنها لخصتْ "قوة عين" الطفيليين، بل تماديهم ورغبتهم في التعدي على حقوق الناس بالباطل. فللبنك الزراعي ـ قطاع الجزيرة ـ عقد تمويل أسوأ من هذه الوثيقة المتداولة الأن، حيث أنه، اي البنك الزراعي، غلَّفَ جرعات السُم بقليلٍ من دسم مصطلحات التمويل. وكذلك، وفي نفس منحى التجاوز، فعلتْ شركة الأقطان في عقد إذعانها المشهور. تلك الشركة التي يجرى الآن في المحاكم عرض إتهامات الذين كانوا قائمين على امرها، دكتور عابدين محمد علي ومحي الدين عثمان.
وقد لا يتصور الناس بل وقد لا يخطر ببالهم ان عقد البنك الزراعي ـ قطاع الجزيرة ـ للتمويل يقوم المزارع بالتوقيع عليه وهو خالي من اي بيانات، لأن إدراج البيانات فيه يُرجأ إلى ما بعد وقت الحصاد!!!. وهذا سلوك في مجال التمويل ليس له من مثيل في العالم، وإنما هو ابتداع راسمالي طفيلي إسلامي (رطاسي)، أصيل!!!. ليس ذلك فقط، وإنما البنك الزراعي وفي الوقت الذي يخول فيه لنفسه نزع الأرض من ملاكها فإنه لا يعطي المزارع الحق في مقاضاته إذا ما نشأ خلاف بينهما، إذ انه يلزم المزاع بإتباع الطرق الودية!!! (راجع المادة 7 من عقد تمويل البنك الزراعي ـ قطاع الجزيرة ـ سنة 2010م، في حوزتي نسخة عليها أختام وتوقيعات).
أما شركة الأقطان، على الجانب الآخر، وبقيادة دكتور عابدين ومحي الدين، فقد سمحت لنفسها بمقاضاة المزارع، بل ومطالبته بتعويض "الاضرار الناتجة عن الاخلال" بالنسبة لالتزاماته تجاهها، في حين انها، اي شركة الاقطان، لم تُضَمِن العقد أي شرط جزائي فيما يتعلق بإخلالها بإلتزاماتها تجاه المزارع!!!. ولابد من ذكر ان شركة الاقطان هي التي وضعت العقد ولم تطلع عليه حتى إتحاد المزاعين الذي من اوجب واجباته تمثيل المزارعين في كل شأن كهذا!!!.
فلأن كل ذلك التجاوز كان يحدث وبتواطوء مذموم من قبل السلطة وإتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، رأس رمح الراسمالية الطفيلية الاسلامية في المشروع، لم تجد إدارة المشروع وممثلوها في منطقة طابت، حيث كانت جريمة "وثيقة التوقيع لاجل نزع الارض"، لم تجد من مندوحة في ان تبسط تلك الوثيقة الجريمة جهاراً وفي وضح النهار!!!.
واما الجريمة الاخرى، جريمة "التقاوي الفاسدة"، فلو انها حدثتْ، وبهذا الحجم، في أي دولة محترمة، دولة لا تتمسك باي دينٍ من الأديان، فإنها كانت كافية ليس فقط لإقالة وزير الزراعة وإنما لاقالة الحكومة نفسها. ولكن، وبطبيعة السلطة المتجبرة في السودان فليس هناك من توقع ابداً لشيئ من ذلك ان يحدث. وفي هذا المقام يكفي فقط الوقوف عند تصريحات السيد المتعافي وزير الزراعة، الذي يبدو ولطول مكوثه في هذه الوزارة أصبح يعتقد بأن الناس حينما يتناولون قضايا الزراعة فإنهم لا يتناولون شأناً عاماً، بل وكأنما هم يتناولون اشياءه الخاصة والتي من ضمنها وزارة الزراعة والتي تكاد ان تكون ملتحقة باسمه!!!.
هناك قولٌ مأثور منسوبٌ للشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم، انه حينما تولى جرّاح المخ دكتور حسين ابوصالح حقيبة وزارة الخارجية إبان الديمقراطية الثالثة، قال الراحل صلاح بأن السودان قد فقد منصبين، منصب جرّاح ومنصب وزير خارجية!!!. واما في حالة المتعافي، ولحجم الضرر والأذى اللذينِ ألحقهما بالقطاع الزراعي بشكل عام في السودان، وبمشروع الجزيرة بشكلٍ خاص، يمكننا ان نقول باننا فقدنا منصب وزير زراعة ومنصب رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة، غير اننا نؤكد بانه لم نفقد منصب "طبيب"، لأنه ما من طبيبٍ أبداً، قلبه منزوع الرحمة مثل الرجل!!!.
إن جرائم الفساد ومحاولات نزع الاراضي من أهلها لن تتوقف ابداً، إن كان في مشروع الجزيرة او في ايٍ من المناطق الأخرى. ولكن الترياق الوحيد هو وقوف الناس في وجهها. ولا اظن ان هناك مثالٌ انصع في هذا الصدد من صمود مزارعي الجزيرة بقيادة تحالفهم، والذي حدَّ وبقدرٍ كبير من تطاول السلطة، وقد حدث ذلك فعلاً وليس قولاً. إنتزعت لجنة ملاك الاراضي وكذلك تحالف المزارعين في مشروع الجزيرة إنتصارات معلومة في المحاكم، كان لها الدور الاساس في تراجع السلطة من حملتها المسعورة لاجل إبتلاع كامل المشروع، بالرغم من انها، اي سلطة الإنقاذ، أعطت ضمانات معسولة وكاذبة لمستثمري اموال الرأسمالية الطفيلية الاسلامية على المستوى الاقليمي والدولي.
إن تلك الانتصارات أكدت بانه ما من نضال يذهب سدى، وما من مقاومة تخيب، خاصةً إذا ما كان في وجه سلطة طاغية مهنتها الوحيدة صناعة الموت لشعبها، وبكل السبل، والتي من أنجعها تجريد الناس من أراضيهم وممتلكاتهم. والكل يعلم بأن ذلك هو بالضبط ما قامت بإتباعه سلطة الرأسمالية الطفيلية (رطاس) في محاولتها زراعة الموت في الجزيرة. وهو الأمر الذي أكد، وما زال يؤكد لكل صاحب ضميرٍ حي بأن إستعادة مشروع الجزيرة ومن ثمّ حمايته لم تعد خياراً، وإنما أمستْ ضرورة.