في الرد على حديث الرئيس عن كون مزارعي الجزيرة لصوص وتربية شيوعيين
الكاتب: ناصف بشير الأمين   
الخميس, 11 ديسمبر 2014 01:56


اللافت في حديث الرئيس عن أهل الجزيرة هو لغته العدوانية المتعمدة للإساءة وغير اللائقة ضد مزارعي الجزيرة. فلا يليق برئيس جمهورية ان يتهم بشكل جماعي وإطلاقي-دونتمييز- الملايين من أهل ولاية كاملة من شعبه، بأكل المال العام وانهم يشكلون عبئا على الدولة. وان يجعل من هولاء الملايين موضوع سخرية وتندر من خلال تصويرهم كقطيع من البلهاء السذج الذين يعتقدون ان الناس في الخرطوم "تأتيهم توصيلات المياه الغازية من الصهاريج". الا ان غرض هذا المقال ليس هو تحليل أسباب اضطراب الرئيس ولغة الشتائم التي استخدمها. فهذه هي اللغة التي تليق بشخص سبق ووصف جزء من شعبه بانهم "حشرات". وإنما غرض المقال هو النظر لما وراء هذيان الرئيس وشتائمه بحق مزارعي الجزيرة. 

الثابت لكل ذي عقل سليم، من خلال الأرقام التي لا تكذب ومن خلال وقائع التاريخ والحاضر الموثقة، ان مشروع الجزيرة ظل هو عماد الاقتصاد السوداني قبل وبعد الإستقلال. فالدولة السودانية المهترئة هي التي ظلت عبئا ثقيلا يحمله أهل الجزيرة على ظهورهم كما الإبل والشاحنات، وليس العكس كما يزعم الرئيس. والكاتب لا يريد هنا ان يخوض في تفاصيل جرد المشاريع والمؤسسات القومية التي بنيت من أرباح المشروع كميناء بورتسودان وخزان سنار، تمديدات السكة حديد وجامعة الخرطوم ..الخ ودور المشروع في رفد الاقتصاد الوطني عموما. فذلك يدخل فيما يفترض علم الكافةبه.بإستثناء أولئك الذين يجهلون أوليات تاريخ وجغرافيا واقتصاد السودان الحديث.او أولئك الذين يعمدون الى تزييف الحقائق خدمة لأجندة خاصة بهم ويندرج حديث الرئيس، في تقدير الكاتب، ضمن هذا السياق.

كان يؤمل ممن هو في موقع الرئاسة، ان يذهب في الإتجاه المعاكس تماما ويشيد ويثمن ما تمثله تجربة الجزيرة وطريقة أهلها في العيش وثقافتهم الإنتاجية والقيمة الفلسفية والأخلاقية التي تستند عليها. والمعني بثقافة الجزيرة هنا هو ثقافة النشاط الاقتصادي المنتج المرتبط بالأرض وثقافة الجهد والكد واكل العيش من عرق الجبين. وهي ثقافة تنهض في موجهة ثقافة أخرى صاعدة مع صعود الإسلامويين والقوى الطفيلية المرتبطة بهم الى السلطة. وأعنى هنا ثقافة النشاط الطفيلي غير الإنتاجي الذي يمتص كل الفوائض الاقتصادية المتراكمة في المركز، دون عرق او جهد ودون أي مساهمة في الإنتاج القومي او خلق الوظائف والفرص الإقتصادية. واقتصاد الفئات الجديدة التي صعدت مع صعود نخبة الإنقاذ للسلطة من خلال السيطرة على جهاز الدولة والفساد المالي والإداري والإستيلاء المباشر على المال العام وموارد الاقتصاد الوطني، تحت لافتة التمكين. والتمكين سلوك إجرامي لانه ببساطة يعني (بلغة القانون) تحقيق الكسب غير المشروع والفسادالمالي والإداري. ولايغير شيئا من الطبيعة الإجرامية لنهج التمكين الرطانة الفقهية للإسلامويين التي سعت الى غسله وتبيضه وشرعنتهكركن من أركان الإسلام. ولعل الرئيس يتفق معنا هناحول فساد مشروع التمكين بكليته بدليل اقراره بنفسه والوعد الذي قطعه بنفسه علانية للشعب السوداني بأنه لن يكون هناك "تمكين" في المستقبل. وذلك بعد ان تمكن المتمكنون وشبعوا تمكينا وهمش المهمشون وماتوا تهميشا. فمن هم اللصوص؟هولاء الكادحون البسطاء ام اولئل المتمكنون المترفون. وقصص التمكين الكثيرة في الجزيرة التي تشبه حكاوي ألف ليلة وليلة معروفة. شمل ذلك تعيين الإدارات المسيسة من أهل الولاء، وحالاتالإستيلاء على أراضي ومباني ومنشآت المشروع من قبل المتنفذين "وأقرباء" رموز النظام. فأموال أهل الجزيرة تعتبر في عرف هولاء المتمكنين مالا مباحا وغنيمة تؤخذ بوضع اليد دون خوف من رقابة او حساب. وتندرج في هذا السياق قصة "شركة الأقطان" المعروفة التي قضت فيها حكمة أهل التمكين بان تنفرد شلة من "الغرباء" عن الجزيرة ومناطق إنتاج القطن بأكل زبدة عرق هؤلاء المنتجين للقطن. فمن هو اللص ومن هو ضحية اللصوصية ياسيادة الرئيس؟ 

أما القول بأن مزارعي الجزيرة تربية شيوعيين، فهو يكشف عن حالة اضطراب وهذيان عظيم، تعتري الجنرال في عزلته المجيدة. الشيوعيون فصيل سياسي، وغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا معهم، يقوم برنامجهم على عدالة توزيع الفرص والموارد وعلى الإشتراك في ملكية وسائل الإنتاج، وليس تمكين عضوية الحزب الشيوعي. لذلك فان القول بان مزارعي الجزيرة تربية شيوعيين لا يرد في مورد الذم الذي يندرج فيه كلام الرئيس. ولكن الرئيس ورهطه يتوهمون بان سنوات إنقلابهم قد نجحت غسيل عقول السودانيين الى الدرجة التي تعود فيها تهمة الإنتماءللحزبالشيوعي إساءة وسبة وفضيحة يجب التبرؤ منها. ذلك ما يشتهيه الإسلامويونوتلك أضغاث أحلامهم. ولكن حقائق الواقع وطنيا وإقليميا ودوليا تشير الى عكس ما يشتهون تماما. حيث ان تهمة الإنتماء الى تنظيمات الإسلام السياسي والإرهاب والتطرف الديني (وليس الشيوعية او العلمانية) هي السبة والفضيحة التي يتبرأ منها كل ذي عقل ووجدان سليم، وهي قد صارت الان جريمة في القوانين الدولية والوطنية. وأصبحالإسلامويون حولنا يتظاهرون بإتفاقهم مع قيم ومبادئ الدولة المدنية وفصل الدين عن السياسة هربا من تهمة الأصولية والتطرف. ونشكر الرئيس هنا على انه لم يجنح ويتهم أهلنا الشرفاء في الجزيرةبأنهم تربية إسلامويين، لأنه سيكون حينها قد شتمهم بالفعل. ولأنه فقط في هذه الحال يمكن ان توجه إليهم تهم اللصوصية وأكل المال العام. 

محتوى ولغة خطاب الرئيس بحق مزارعي الجزيرةيمثلان الشيءالطبيعي والمتوقع صدوره من شخص يصدر عن مثل خلفيته وتكوينه الأيديولوجي والقيمي.فكل إناء بما فيه ينضح. ذلك التكوين الآيديولوجيالقائم على ثقافة القهر والتغلب "والفهلوة" ومركزية مشروع التمكين وسلب الغنائم. والمستند على آيديولوجيااللامساواة في القيمة الإنسانية بين المواطنين ومن ثم التمييز في معاملتهم من قبل النظام على أساس الدين والعرق والجهة والقبيلة. وهذا ما يفسر سبب هجومه وعنفه اللفظي ضد الكادحين والمهمشين من مزارعي الجزيرة، وهو يدافع وينافح بالمقابل عن أهل "العمارات" وغابات الأسمنت. فحسب منطق الرئيس، فإن عمارات هؤلاء ليست مبنية من عرق هؤلاء، و"تمكين"هؤلاء ليس مشتق من إفقار وتهميش هؤلاء(كما يوسوس لهم بذلك شياطين الحزب الشيوعي) !!! وإنما هو رزق ساقه الله إليهم. الطريف والجدير بالتأمل هنا، ان الغالبية العظمى من الصف الأول الحاكم من أهل الإنقاذ ينحدرون طبقيا - ولسوءحظهم- من معسكر "أهل الصفة". فهم أبناء غفراء ومزارعين وحلابين وطباخين من عامة الناس، وليس بينهم ابن مك او سلطان.مثلهم في ذلك مثل مزارعي الجزيرة المساكين. ولكن بمجرد ان صعدوا "بحدهم وحديدهم" على رأس الفئة الجديدة من أهل "المؤاكلة الحسنة والمشاربة الجميلة" صاروا يتنكرون لأصلهم الطبقي وينافحون عن الأثرياء الجدد. فسبحان مقلب القلوب. في مقابل ثقافة التمييز بين الناس على أساس ما في جيوبهم من أموال او أصفار، ومافي رؤوسهممن أفكار، وجهات ميلادهم وقبائلهم، التي يصدر عنها الرئيس، تنهض ثقافة الوطنية السودانية الجامعة، التي تشكل الجزيرة اخر قلاعها التي لم ينخرها سوس عنصرية الإنقاذ. قيام المشروع وهجرة الناس اليه جعل من الجزيرة الريف الوحيد (خارج المدن) الذي يتعايش ويمتزج فيه كل أهل السودان. وفي الجزيرة وحدها تجد الناس من كل بقاع السودان حيث لا توجد قرية واحدة ينتمي سكانها الى قبيلة واحدة. الكاتب لذلك يعتبر الجزيرة هي ما تبقى من مشروع الوطنية السودانية التي مزقته عنصرية الإنقاذ. ولكن هل يعني ذلك شيئا للبشير ورهطه من أهل التمكين؟ وهذا سبب غياب النعرات والتوجهات القبلية والجهوية لدى السواد الأعظم من أهل الجزيرة. لذلك، وفي تجربة كاتب المقال المتواضعة، دخلنا تجارب العمل العام والسياسي من باب الوطنية الواسع الذي يسمو على الإنتماءات العرقية والدينية والجهوية والقبلية وما زلنا. وهذا ما يشكل النقيض لمشروع الإنقاذ العنصري والإقصائي ويفسر أسباب التعارض والصدام بين الرؤيتين. 

انطبيعة ومقدار العمل اليدوي الشاق الذي تتطلبه العمليات الزراعيه في مشروع الجزيرة قل ان يوجد له نظير في مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية في طول البلاد وعرضها. نحن أبناء مزارعين وقد رأينا اباءنا واجدادنا يعملون في حواشاتهم بدوامين (ضحوة وظهرية) من دغش الفجر الى غروب الشمس، سبعة أيام في الإسبوع. ذلك لان المزارع في الجزيرة يقوم بكل العمليات الزراعية الرئيسية يدويا كما كان الحال منذ عام 1925م. واهل الجزيرة (واعني هنا ملاك الأراضي من أهل المنطقة الأصلين) ربما تكون تجربتهم هي الوحيدة من نوعها التي قامت فيها الإدارة الإستعمارية البريطانية بتحويل ملاك أراضي الى "أقنان" على الأرض التي يملكونها. وذلك من خلال قيام الحكومة بالإستيلاء على أراضيهم ومن ثم قيامها بتخصيص مساحة صغيرة من الأرض لكل منهم، يعمل فيها كالقن ولا يملك الحق في حرية الحركة والغياب عنها لفترة طويلة. تماما كما كان حال الأقنان في أوروباء القرون الوسطى. ذات العلاقة حافظت عليها حكومات ما بعد الإستقلالوبطريقة أكثر سوءا. وبالرغم من كدهم وعرقهم وإنتاجهم الوفير، يعيش السواد الأعظم من مواطني الجزيرة على الكفاف وفي ظروف حياة حاطة من الكرامة الإنسانية. حيت تنعدم ابسط خدمات الصحة والتعليم والمواصلات. وسبب ذلك هو علاقات الإنتاج التي يفرضها مركز السلطة في الخرطوم، والتي لا تعطي للمزارعين سوى الفتات من عائدات إنتاجهم خاصة من القطن المحصول النقدي الأول. وصل الأمر درجة الكارثة مع وصول نخبة الإنقاذ الى السلطة. حيث تبنت الإنقاذ إستراتيجية مدروسة هدفت الى تدمير بنيات المشروع الإدارية والزراعية والهندسية بالكامل وتفكيك بنياته الأساسية وبيع أصولة(بما في ذلك الأصول المملوكة قانونا للمزارعين). ووصل الأمر حد تفكيك قطبان سكك حديد الجزيرة وبيعها كحديد خردة. وكان واضحا ان الهدف هو إفقار مواطني الجزيرة ومحاصرتهم بالمرض والتجهيل والإهمال والحاجة. ونجحت الإنقاذ في مخططها وأصبحت الجزيرة أطلالا وخرائب تستوطنها الملاريا والبلهارسيا والفشل الكلوي والفقر المدقع. واجبر هذا الوضعالالاف من شباب الجزيرة على مغادرة البلاد في "هجرة جماعية" بحثا عن العمل لتوفير العيش الكريم لأهلهم. وصارت تحويلات المغتربين هي مصدر الدخل الأساس للسواد الأعظم من مواطني الجزيرة، وليس عائدات المحاصيل الزراعية. لولا ذلك لقضى الباقون في الجزيرة من كبار السن والنساء والأطفال. والواضح ان هذا هو الهدف النهائي من هذه السياسة الإجرامية، وهو إستيلاء عصابة التمكين على أرض الجزيرة بوضع اليد بعد تفريغها من شبابها. وهذه هي الأهداف غير المعلنة التي تقف خلف قانون مشروع الجزيرة لسنة 2005م، وتلك قصة طويلة. 

كلمات الرئيس تشكل أيضا، وهذا هو الأهم، صفعة للقلة من أبناء الجزيرة المرتبطين بمركز السلطة ليفوقوا. فهذه القلة التي تعمل على خدمة النظام مقابل فتات الموائد، تفعل ذلك ضدا من مصالح سواد المزارعين المهمشين. لهؤلاء نقول، ان حديث الرئيس بأن "مشروع الجزيرة يعيش عالة على الدولة" هو في الأرجح مقدمة لكارثة قادمة، تعدها نخبة المركز للتخلص من المشروع، بعد ان أنجزت مهمة تدمير بنياته الأساسية بالكامل. هجوم الرئيس ولغته المسيئة يكشفان عن مدى الحقد والنوايا العدوانية غير المبررةالتي يحملها هؤلاء القوم تجاه أهل الجزيرة. فالرئيس كان يتحدث بذات اللغة عن جنوب السودان، عندما وصف الجنوب بانه كان بمثابة (ترلة) وعبء على الشمال، ووصف أهله بانه لاتنفع معهم سوى العصا. قد يعترض البعض بان مشروع الجزيرة يتمدد في ولاية كاملة، يقيم بها حوالي ربع سكان السودان، وليس مجرد شركة يعمل بها حفنةمن الموظفين والعمال، والتي يمكن لذلك بيعها بسهولة وتشريدهم. كما حدث لمئات المؤسسات والشركات العامة التي تخلصت منها نخبة الإنقاذ تحت ذات المبررات بدعوى انها"مؤسسات خاسرة وتشكل عبئا على الدولة." ولكن نخبة الإنقاذ التي فصلت جنوب البلاد، فقط من أجل ضمان إستمرارها في السلطة، والتي يروج بعض قياداتها علنا لمزيد من تقسيم البلاد للإبقاء فقط على "مثلث حمدي" المعلن، ليس مستبعدا ان تكون قد قررت الشروع في تنفيذالفصل الختامي من مخططها الرامي لتصفية والتخلص من مشروع الجزيرة توطئة للإستيلاء على أرضه وتشريد ما تبقى من أهله. خاصة في ظل إفلاس البلاد المالي التام. فهل أبناء الجزيرة مستعدون للدفاع عن أرضهم وكرامتهم؟!!