أخطر وثيقة حول تدمير مشروع الجزيرة
الكاتب: حسن وراق   
الجمعة, 20 ديسمبر 2013 00:00

- تقرير اللجنة هل يصبح مستند اتهام !!
-مجلس إدارة المشروع في دائرة الاتهام!!
-روابط المياه خطر علي اتحاد المزارعين!!
-لا بديل لمشروع الجزيرة إلا المشروع نفسه!!
-بيع المشروع غير شرعي ويخالف توجيهات الرئاسة!!


بعد إنفاذ قانون مشروع الجزيرة لعام 2005 وبمرور 7 أعوام الآن علي تطبيقه تأكد أن المشروع يتجه إلي نهايته . في ابريل من العام 2009 قام السيد البروفيسور الزبير بشير طه وزير الزراعة الاتحادي آنذاك بتكليف لجنة من خبراء إجلاء عملوا فترة طويلة بالمشروع واكتسبوا خبرة جعلتهم جديرون بتقييم تجربة تطبيق القانون. جاء علي رأس اللجنة البروفيسور عبدا لله عبدالسلام المدير الأسبق للمشروع والبروفيسور مأمون ضو البيت مدير الأبحاث الزراعية والدكتور عمر عبد الوهاب المنصوري مدير الإدارة الزراعية بالمشروع والوكيل الأسبق لوزارة الزراعة الاتحادية بالإضافة إلي الدكتور احمد محمد ادم الوكيل الأسبق لوزارة الري. استغرق عمل اللجنة لمدة ثلاثة أشهر ورفعت تقريرها الذي يعد بمثابة وثيقة تاريخية لم يسبقها مثيل في تقييم مشروع الجزيرة منذ نشأته وحتى الآن . توصلت اللجنة إلي الكثير من الحقائق المذهلة من خلال اللقاءات التي أجرتها والمقابلات مع أصحاب الشأن من جهات الاختصاص المختلفة ووسط الخبرات السابقة التي عملت بالمشروع ومن المزارعين وقياداتهم لتخرج اللجنة بوثيقة مشروع الجزيرة الحالة الراهنة وكيفية الإصلاح الذي تسربت هذه النسخة حتي يقف الشعب السوداني علي الحقيقة الغائبة عنه .

لم يخطر علي بال احد أن يخرج تقرير اللجنة بهذه الشمولية والتدقيق الذي لم يترك شاردة و لا واردة إلا وتضمنها ، ولعل الوزير نفسه كان يعتقد أن التقرير سوف يكون بمثابة إعلان وفاة المشروع لينتهي العزاء بإعلان الشهادة إلا أن التقرير أصبح من اخطر مستندات الاتهام في مواجهة نظام الإنقاذ والأفراد والجماعات التي شاركت في هذه الجريمة الكبرى

لجنة الخبراء المكلفة لتقييم تجربة القانون تم اختيارها من مجموعة التكنوقراط، كان تركيز عملها حول الجوانب الفنية والمتخصصة من واقع معرفتهم اللصيقة بالمشروع وهنالك بعض الإشارات الذكية التي تخاطب عقول السياسيين والمهتمين بالشئون الاجتماعية والاقتصادية والبيئية . هذه الإشارات تتطلب من المهتمين بأمر المشروع أن تتواصل جهودهم ويتكلل مسعاهم في توسيع دائرة هذا الدراسة .

اللجنة المكلفة تناولت أمر المشروع بمنتهي الأمانة والحيادية ولم تلق بكل اللائمة والمسئولية علي النظام القائم الآن فقد أوردت بعض الحقائق التي اعتبرتها اللجنة بداية تراكم العقبات بالمشروع والتي عرفت بمرحلة (لتكثيف الزراعي)منذ الستينات بعد إدخال محصولي القمح والفول للدورة الزراعية التي كانت محصورة علي القطن والذرة بالإضافة إلي الاحتفاظ ببعض المساحات ( بور ) لتجديد خصوبة التربة . إدخال محصولي القمح والفول لم تصطحبه تحسينات أو تعديلات في القدرات الموجودة للري وبنياته الأساسية ولا حتى في تطور وسائل الإنتاج لرفع الإنتاجية ولم تطرأ علي المشروع مراحل تأهيلية إلا مرة واحدة في الثمانينات.

نظام الإنقاذ سبب رئيسي في انهيار المشروع!!

الحقيقة التي لم يختلف حولها أعضاء اللجنة ، هي أن الانهيار الحقيقي لمشروع الجزيرة ارتبط بنظام الإنقاذ الذي استولي علي مقاليد الحكم مستعديا شعبه وشعوب العالم خالقا عزلة حول نفسه و عن الأسرة الدولية التي أحكمت عليه الحصار الاقتصادي وتصنيفه من ضمن الدول الداعمة والراعية للإرهاب لتبدأ أهم مراحل الاستنزاف الاقتصادي التي شهدتها البلاد ، جراء محدودية الموارد المالية والتي أثرت بدورها في تمويل الاحتياجات العاجلة مما اظهر عجزا في التمويل وضع مشروع الجزيرة في الطريق السريع نحو التردي و الانهيار لتترك وزارة المالية أمر تمويل المشاريع والمؤسسات إلي الاجتهادات الفردية للإدارات المختلفة فبدأت وقتذاك أول مراحل التصرف ببيع جزئي للبنيات الأساسية للتشغيل و التسيير وتزامن كل ذلك مع انتهاج النظام لسياسة التحرير التي عجلت بتدمير المشروع.

في إطار تشخيص اللجنة للأسباب التي أدت إلي الانهيار السريع و التدهور المريع الذي وصل إليه المشروع ، لم تتطرق إلي ما انتهجته الإنقاذ في تصفيتها للخدمة المدنية عبر ما يعرف بمجزرة الصالح العام والتي أفقدت البلاد كوادر وكفاءات تركت آثار مدمرة في عمل الإدارة خاصة بعدأن آلت الأمور إلي بعد مرحلة ( الفتح ) في بواكير نظام الإنقاذ عندما تولي أمر المشروع عديمي الخبرة والكفاءة. مرحلة التشريد فقد أورد التقرير إحصائية العاملين قبل الإنقاذ وقد كان عددهم حوالي 13500 وعند منتصف التسعينات بلغ العدد حوالي 8600 ليصل العدد إلي 3500 تمت تسوية حقوقهم لأجل تنفيذ الدراسة التركية التي تري أن المشروع يحتاج فقط إلي 328 عامل جري تعيينهم من الموالين للهيئات النقابية والتي تدير ما تبقي من المشروع تحت اسم شركة ارض المحنة .

من أهم أهداف مشاريع الري الدائم هو إنتاج محاصيل الصادر النقدية وتوفير المواد الخام للإنتاج الصناعي وتقديم الخدمات من صحة وتعليم و توفير فرص العمل . كل هذه الأهداف نجح فيها المشروع عندما كانت المساحات المزروعة تعادل أكثر من 75% من مساحة الأرض. أما الوضع الآن فتقلصت المساحات المزروعة إلي اقل من ثلث المساحة وذلك في أحسن الحالات وتراجعت محاصيل الصادر الرئيسية كالقطن وأصبح مشروع الجزيرة يشارك القطاع التقليدي المطري في إنتاج محاصيله وبإنتاجية متدنية.

معروف لدي الجميع أن منهج عمل المافيا في العالم يعتمد علي إثارة القلاقل وخلق الفوضي لزعزعة النظام القائم يشتي الطرق بما فيها استخدام القوة حتى يستلم مقاليد الأمور وبعدها يعمل علي حفظ النظام ويشتي الطرق ايضا . الحال في مشروع الجزيرة لا يختلف كثيرا. المافيا التي دمرت مشروع الجزيرة تستولي عليه الآن، زادت من معوقات الإنتاج عبر خلق العديد من تعقيدات التمويل ومحاولة توريط المزارعين مع البنوك وابتداع أساليب مختلفة لرفع تكلفة الإنتاج وتدمير شبكة الري بعد أن آل أمرها إلي إدارة المشروع والتي أحدثت فيها الكارثة الكبرى بعد أن تم تدمير المقطع الهندسي لتمرير المياه من جراء التخلص من الاطماء بطريقة غير علمية بتطهير الترع الذي زاد العمق ووسع الجنبات الشيء الذي خلق أزمة الري التي يشهدها المشروع الآن.

الإشكالات الإدارية هي واحدة من الأسباب الرئيسية في تدمير مشروع الجزيرة والتي تراكمت من خلال الكوادر الضعيفة التي تولت أمر المشروع وانتهاج أساليب ترهيب وابتزاز العاملين وتضارب الاختصاصات وتداخلها وعدم الالتزام بالدورة الزراعية وإهمال الجوانب الفنية في إعداد الأرض والموسم والمكافحة والري وخلافه وتحجيم دور التنفيذيين وتركيز كل الصلاحيات في أيدي مجالس الإدارات وانتشار الفساد والسرقات والأساليب الفاسدة التي أضعفت ثقة المزارعين في إدارة المشروع التي تشارك هي الاخري في ما يجري من تجاوزات و مخالفات وتدخلات سياسية واضحة .

________________________________________

حول قانون مشروع الجزيرة 2005 تضمن تقرير اللجنة فلسفة القانون والتي بنيت علي معالجة ملكية الأرض وحل الإشكال المزمن المتعلق باجرة الأرض والتي تراكمت منذ قيام المشروع بالإضافة إلي أن ملاك الأراضي يحوزون علي أكثر من 60% من مساحة المشروع ولعل هذه اكبر عقبة تواجه إنفاذ القانون الذي يرمي إلي تفتيت ملكية الأرض الفشل في ذلك مرده أن هنالك بركة من البترول والمعادن الاخري ترقد في باطن ارض المشروع رفع من مطالبة الملاك لقيمة الأرض .تنفيذ قانون مشروع 2005 اصطدم بعقبة ملاك الأراضي التي لم يضع لها المشرع أي حساب

من أهم أهداف قانون 2005 تطبيق نظام روابط المياه وهو نظام مطبق في بعض البلدان الآسيوية وفي مصر في محاولة لإغراء المزارعين بهذا النظام الجديد والذي سرعان مافشل لأسباب كثيرة أوردت منها اللجنة أن سر فشل نظام روابط المياه يكمن في إنشائها وإنها لا تتناسب وطبيعة الري في السودان وداخل المشروع بالإضافة إلي أن السرعة في تكوين تلك الروابط عجل بفشلها لأنه وفي خلال أسبوع واحد فقط تم تكوين كثر من 1700 رابطة مقارنة بعدد 84 رابطة تكونت في مصر خلال ثمانية أعوام . هنالك جانب آخر متعلق بنظام الروابط انه ، سحب البساط من تحت أقدام قيادات المزارعين واظهر قيادات جديدة من الشباب المستنيرين الذين وجدوا تجاوب وترحيب من جموع المزارعين ليشكلوا خطرا جديد علي تلك القيادات التي لا تريد لروابط المياه أن تقصيهم عن القيادة
.
قانون 2005 بصورة عامة ، تمت صياغته وإجازته علي عجل دون أن يجد حظه من النقاش و التداول وتشريح مثالبه ليجيء بصورة يشوبها كثير من الغموض وعدم المباشرة والوضوح مما احدث ارتباكا في تفسير بعض موجهاته خاصة في ما يتعلق بنظام حرية المزارع في اختيار المحصول الذي يريده مما يتعارض مع كثير من النواحي الفنية والعملية والتي تهدد بعض المحاصيل ويهدر كثير من الجهد في الزراعة والري. القانون اغفل الكيفية التي تتم بها محاسبة مجلس الإدارة ولم يأتي ذكر للقيد الزمني الذي يحكم أمد مجلس الإدارة ليصبح القانون مسوقا و مبررا للكثير من التجاوزات حتى غدا قانونا لتدمير و تصفية المشروع

عندما فرغت اللجنة المكلفة من صياغة تقريرها الختامي ورفعه في يوليو 2009 كان كل شيء قد انتهي بالمشروع بعد أن تم بيع القطاع الخدمي بالمشروع والمتمثل في الهندسة الزراعية والسكة الحديد والمحالج والتي تعرف ب (مراكز التكلفة) وتم تمليك العاملين للمنازل والعربات وصرف بعض مستحقاتهم ولا يعرف مصير استقطاعات المعاش والتي لم تصرف للمعاشيين حتي الآن. لم يتبق بالمشروع سوي الأرض والمزارع وقنوات ري مدمرة تماما . لم تغفل اللجنة حقيقة ما جري من مخالفات تتعلق ببيع مركز التكلفة وذلك بعد الاطلاع علي كافة المستندات ، لم تجد اللجنة ما يفيد صراحة من توجيه ببيع أو تصفية للمحالج ، السكة حديد والهندسة الزراعية في قانون 2005 وعلي العكس تماما هنالك العديد من المستندات التي تشير إلي عكس ما حدث بالفعل

أولا: المادة (20) 2 من القانون تقرأ ( يجوز للمجلس اتخاذ التدابير اللازمة لخصخصة مراكز التكلفة
ثانيا: المادة (28) 2 تقرأ ( يستمر العمل بمراكز التكلفة بالمشروع لحين
خصخصتها

ثالثا : قرار مجلس الوزراء والذي وقعه رئيس الجمهورية رقم 308 لعلم 2006 ذكر صراحة ، تكوين شركة لسكك حديد الجزيرة تساهم في رأسمالها ، ولاية الجزيرة ، ادارة المشروع والقطاع الخاص

رابعا : توصية النائب الأول وراعي النهضة الزراعية حول الخصخصة.
خامسا : قرار وزير المالية رقم 4 حول لجان الخصخصة
سادسا : توصية لجنة أصلاح الهندسة الزراعية

اللجنة المكلفة ليس من اختصاصاتها توجيه اتهامات إلا أن تقريرها اشتمل علي حقائق تقود أي جهة قانونية إلي تكوين أدلة ثابتة تؤدي إلي اتهام جهات بعينها أوردها التقرير من بينها مجلس الإدارة والذي جاء في الصفحة رقم 18 من التقرير حول السكة حديد حوله ما يلي:

(( وقد تقدمت شركة صينية لتأهيل سكك حديد الجزيرة تماشيا مع توجيه رئيس الجمهورية ونائب الرئيس ولكن مجلس ادارة مشروع الجزيرة رأي غير ذلك ؟ فبادر بالتخلص منها متجاهلا كل التوصيات بما فيها التوجيهات الرئاسية التي صدرت في هذا الشأن فرأينا كيف بيعت قاطرات عاملة بنظام طن الحديد خردة ، فتم تدمير مرفق حيوي هام يصعب إعادته ثانية ، فأعقب هذا سرقة منظمة ونهب لكل مقتنيات سكك حديد الجزيرة والآن البلاغات بالمئات. انها النهاية المؤلمة والمأساوية . ))
ما أورده التقرير حول مجلس الإدارة يكون فكرة لتوجيه اتهام مباشرة من خلال ما تم التوصل إليه من أن مجلس الإدارة شعر بان قانون 2005 يملكه كامل الحرية في التصرف في البنية الأساسية للمشروع. ( ص 14 ). اللجنة في تقريرها أيضا لم تذكر صراحة تهرب رئيس مجلس إدارة المشروع من مقابلتها إلا أن التقرير ذكر بان اللجنة سعت سعيا حثيثا للالتقاء بالسيد رئيس مجلس إدارة مشروع الجزيرة عدة مرات ولكنها لم توفق ( ص 6 )
.
المراجع العام حول الأداء المالي للدولة أورد في تقريره ،أن المشاريع الزراعية لم يوضع لها ربط بالموازنة وذلك منذ سنوات طويلة وأصبحت تشكل عبئا ماليا إضافيا علي وزارة المالية حيث بلغ الدعم المقدم لها خلال العام المالي 2008 مبلغ 226 مليون جنيه. ومن ذات التقرير بلغت حصيلة الصادرات حوالي 11.6 مليار جنيه تشكل الصادرات النفطية منها حوالي 11.3 مليار في بلد زراعي تراجع مخزونه النفطي مما يحتم أمر الاهتمام بالصادرات غير البترولية والتي بدون الاعتماد علي الزراعة يصبح ذلك ضرب من الخيال وبدون الاعتماد علي مشروع الجزيرة يصبح الأمر اقرب إلي الاستحالة

مصفوفة التوصيات التي خلصت إليها اللجنة، أكثر علمية ومعقولية وتقدم حلول عاجلة ومستقبلية لمشروع لم يتبق منه شيء وحني تضع هذه التوصيات موضع التنفيذ يجب البحث عن المشروع أولا وتحريك قضية الاتهام في مواجهة كل من تسبب في جريمة العصر بتدمير أضخم مؤسسة اقتصادية يمثلها مشروع الجزيرة ،ما قام به تحالف مزارعي الجزيرة في مؤتمر طيبة جعل قضية مشروع الجزيرة هي قضية السودان يكون أو لا يكون، وهذه هي المشكلة الحقيقية.