تدمير مشروع الجزيرة .. المبتدأ والخبر – الجزء الاخير
الكاتب: عاين   
الجمعة, 19 ديسمبر 2014 00:00

يعتبر الكثيرون أن ظلال تعديل قانون 2005 شكَّلت آثارًا محورية في دمار المشروع، إذ أن أي ضعف أصابه جاء القانون وقضى عليه تماماً ، ويقول مزارعو المشروع: إن واضعي القانون لم يطلقوا عليه رصاصة الرحمة فحسب، بل قذفوا نحوه بـ(قنابل الدمار الشامل)، إذ لم يكن هناك مبررًا لقتل المشروع الذي يعيش منه غالبية السكان، بل أن أي قرية من قرى الجزيرة تجد بجوارها قرية عشوائية من الذين ضربهم الجفاف في الثمانينات، ولم يجدوا مأوًى غير الجزيرة ،لقد كان قانون 2005 بمثابة حصان طروادة في الميثولوجيا الإغريقية الذي حمل الأعداء على غفلة واستباح المشروع.

وصار من المألوف مشاهدة واحدًا من المزارعين يبكي بحرقة، وهو يضع يديه على عينيه وينظر من بين فروق أصابعه للأبقار، وهي تلتهم محصوله من الذرة لعدم قدرته على دفع تكاليف حصاده، وهو كان قد أنفق الملايين على زراعتها، والآن يبيعها بـ300 جنيه، والشيء الذي كان يبكيه بحرقة هو أن أجداده تنبأوا في أزمان ماضية لمن يترك محصوله للمواشي لما يطلقون عليه بـ (الجلا ) ويعني الفقر، لذا فإن خطوته المقبلة ستكون بيع حواشته حتى لا يجوع أهل بيته ، وتجد مزارع آخر باع حواشته في انتظار ابنه المغترب الذي يرسل له النقود كل فترة لتبقيه متماسكا ولكي تستمر الحياة.

مشروع الجزيرة نحو الدمار الكامل

وكان الرئيس عمر البشير قد وصف في مؤتمر صحفي سابق مزاعي الجزيرة بانهم ( تربية شيوعية ) غير انه تراجع عن ذلك امام حشد رتبه اتحاد مزارعي السودان قبل اسبوع ، حيث قالو ان (80) بالمئة من الشعب السوداني هم من المزارعين والرعاة وان الزراعة من اشرف المهن وتشكل العمود الفقري للاقتصاد السوداني ، وقال ان الدولة رفعت سقف التمويل الى 40% وتمليك المزارعين مؤسسات حقيقية واشراكهم في ادارة المشروعات واختيار التركيبة المحصولية والغاء الضرائب الزراعية.

غير ان المتحدث الرسمي تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل عبد السلام محمد صالح رأى ان النظام الحاكم ان الحشد الذي تم في قاعة الصداقة في الثالث عشر من ديسمبر الجاري لا صلة لهم بمزارعي الجزيرة وانما هم اعضاء حزب المؤتمر الوطني الحاكم وليس لهم أي علاقة بمشاكل المشروع علي الأرض التي تتمثل في التمويل والري والقنوات وتحضير التربة والتقاوي ومشاكل روابط المياه التي حلت مكان وزارة الري في المشروع وجعلت (العطش) وفقدان المحاصيل من المسلمات في مشروع الجزيرة.

ويقول عبد السلام لـ ( عاين ) ان كل ما يحدث الآن لا يلامس القضايا الحقيقية للمشروع وهي واضحة وضوح الشمس كما ذكرتها تقارير كل اللجان التي شكلتها رئاسة الجمهورية ولكنها لم تعمل بتوصياتها ، ويضيف ( ما يتم الآن من حراك علي مستوي السلطة السياسية هو اهتمام سطحي بمشاكل مزارعي الجزيرة والسودان بشكل عام لأن الحكومة لو كانت جادة في معالجة مشاكل المشروع لما توانت في تنفيذ تقارير اللجان ) ، ويعتقد أن كان مجرد تكوين اللجان هذه يعتبر اعترافا قويا بأن هناك مشاكل كبيرة اقعدت المشروع خلفتها القوانين التي صاغتها السلطة الي ان وصلت الي قانون 2005م ، ويشير الى تلك القوانين قصد منها تصفية الزراعة في المشروع وليس اصلاحه.

فيما يقول الأمين الاعلامي لحراك ابناء الجزيرة للتنمية والتغيير ابوبكر علقم لـ ( عيان ) ان تردي المشروع سببه الاساسي السلطة الحاكمة وتشريعاتها التي قصدت منها التمكين لمنسوبيها من السيطرة علي ايرادات المشروع وتسخيرها في خدمة اهداف الحزب الحاكم منذ وصول الاسلاميين للسلطة مع اهمال تام لكل الجوانب الاصلاحية في المشروع مثل اعادة تعمير الارض وفتح القنوات وتطهيرها والعمل من اجل الاغتناء علي حساب المزارع بصياغة قوانين مكنت القيادات التي تؤيد السلطة الحاكمة من السيطرة علي كل مداخيل المزارعين ، ويقول ( بل قامت السلطات بسجن بعض المزارعين بسبب التمويل في مواسم التسعينات الاولي واغتنت علي حساب عرقهم وكدهم وشقائهم مما جعل الكثير من المزارعين يقومون ببيع (حواشاتهم) والاتجاه الي اعمال اخري لان الارض صارت لاتنتج ما يكفي لسداد التمويل الذي تقوم باعطائه لهم البنوك ) ، ويؤكد ان البنوك التي قامت التمويل كانت باسعار فائدة اعلى لا يمكن تغطيتها من الانتاجية.

ويشير تقرير أعدته لجنة البروفيسور عبد الله عبد السلام باسم مشروع الجزيرة – الحالة الراهنة وكيفية الإصلاح عام 2009م، والذي يعد التقرير الأول الذي نبه الحكومة إلى تسارع خطوات المشروع نحو الدمار، – إذا لم يتم تلافيه الآن فإن المشروع لن يعود – لكن الحكومة تكتمت عليه في ذلك الوقت، وظل حبيس أضابير المكاتب، كما يعد التقرير الأهم نسبة إلى أن أعضاء اللجنة كانوا من خبراء مختصين ، يقول التقرير: إن البنية التحتية للمشروع من مكاتب ومنازل وغيرها تتكون من ( 155 ) منزلا متوسط الحجم ، (76 ) سرايا ، وعمارتين ببورتسودان و(200 ) مكتب ، (414 ) مخزنا كبيرا ، (48 ) ورشة ، ( 78 ) مرفقا من مدارس ومراكز صحية وخدمية ، و( 53 ) فلترا لتنقية المياه ، ويضيف التقرير أيضاً أن من علامات تدهور المشروع هو ما حدث للهندسة الزراعية والمحالج والسكك الحديدية، فالهندسة الزراعية كانت (الذراع الطويل) أو القوي لإدارة المشروع، وكانت87 جرارًا مجنزرًا وأكثر من 40 حاصدة و264 جراراً صغيراً و39 جراراً كبيراً و55 هرو دسك (40 صاجة ) فقط السؤال المهم : من الذي تسبب في ضياع هذه الأصول؟

تأثير المقاطعة الاقتصادية على المشروع

المعروف ان سكك حديد الجزيرة بدأت قبل البداية الفعلية للمشروع ، وكانت تنقل المدخلات الزراعية إلى الغيط أو المنتجات إلى المخازن باعتبارها أكثر وسيلة ملائمة للمشروع حتى العام 1994 ، حيث تأثرت الخطوط بسياسة التحرير الاقتصادي ، والحصار الامريكي على السودان الذي تسبب في عدم القدرة على شراء قطع الغيار اللازمة لصيانة القاطرات، وتم عمل دراسات لتأهيل الخطوط وقد وصلت خطوط السكة الحديد إلى أكثر من 1200 كلم، لتغطي كل الجزيرة والمناقل بطاقة (34 )قاطرة و( 1100 ) عربة ترحيل ، (11 ) موتر ترولي ، (3 ) موتر قريدر ، رافعتين، وتضم أكثر من 650 كبري تعبر قنوات الري، إضافة للمساحة الكبيرة التي تمتد فيها تلك الخطوط، والمنشآت الإدارية والورش، الى جانب لردميات الخطوط وقيمة البنيات الأساسية للسكة الحديد تبلغ ما يقارب الـ200 مليون دولار.

القانون حمال اوجه

فضلا عن فشله في علاج قضية توزيع الارباح والمياة وتعديه علي ملاك الراضي ، فأن قانون 2005 تمت صياغته بصورة جعلته حمال أوجه، ما أتاح لقيادات المشروع تفسيره كل حسب هواه ، ومن العيوب التي أدت إلى خلل في تسيير المشروع إعطاء مجلس الإدارة صلاحيات تنفيذية كبيرة وكثيرة تكاد تكون يومية، وسلب الإدارة التنفيذية كل ما يمكن أن يعين على إدارة المشروع ما ادى الى أرباك العمل ورغم تلك الصلاحيات الواسعة التي أعطيت لمجلس الإدارة، إلا أنه أغفل تحديد الجهة التي تحاسب مجلس الإدارة، وفي ذات الوقت لم يحدد القانون أجلاً زمنياً لمجلس الإدارة.

وفي العام 2008 وصلت مديونيات المشروع إلى ما يفوق 317 مليون جنيه ، وأوضاع ما بعد قانون 2005 لها نصيب مقدر في تلك التركة الثقيلة، والعائد المادي ضعيف، خاصة بعد خروج المحصول النقدي وصيرورة المشروع الي (بلدات ) بمساحات واسعة لزراعة الذرة فقط ، كما كان قبل قيام المشروع.

تشريد العمال

كانت قضية الغاء العمالة بمشروع الجزيرة اول مؤشر لانهيار المشروع نسبة لسحب الكوادر البشرية المتخصصة من مواقعها، وبالتالي تعطلت مرافق المشروع وجاءت خطوة مفاجئة، فلماذا تمت من نقابة العاملين التي من المفترض ان تدافع عن العمال وليس العكس ، الامر الذي يحتاج أن نلقي الضوء علي الرجل الذي يمثل أحد أكبر المتهمين بدمار المشروع وتكسير بنيته التحتية وماترتب عليه من تشريد عمالته وتمليك البيوت وتشتيت الوحدات التجارية.

ويقول مصدر في النقابة طلب عدم ذكر اسمه لـ (عاين ) ان العاملين يتساؤلون عن اين ذهبت ارصدة النقابة ، وعن فتح النقابة لحسابات في عدة بنوك في الخرطوم ومدني حتى بلغت عدد البنوك (8 ) فيها ارصدة تخص النقابة ويديرها جميعاً كمال النقر ، ويضيف ” الان لا يوجد بالمشروع سوي 100 عامل يعملون بصفة غير دائمة وان اطراف النظام الحاكم عمدت على تصفية المشروع وبيعه بما يقارب 16 مليار دولار كما تتناقل وسائل الانباء عن الصفقة التي تطبخ تحت التربيزة للمرحلة الاخيرة من فصول تدمير وبيع اكبر مشروع في الشرق الأوسط ” .

الفساد أُس البلاء في المشروع

يقول الدكتور عصام عبد الوهاب بوب الخبير الاقتصادي ان الفساد في مشروع الجزيرة هو أس البلاء باعطاء اشخاص من غير ذوي الكفاءة امر ادارة اكبر مشروع يروي بالري الانسيابي ويدار بطريقة محكمة لانهم من اتباع النظام الحاكم كان قاصمة الظهر للمشروع ، ويضيف ان قيادة الدولة لا تهتم بالمشروع طالما انه يجلب لها الدخل لتسيير نشاط الحزب الحاكم ويري ان الاصلاح يجب ان يتم اولا باعطاء الامر لمن يستطيع القيام به من الخبراء والمتخصصين وليس اصحاب الولاء ، ودعا الى اعادة علاقات الانتاج كما كانت في السابق حتي يعود المزارع الي مهنته التي يتقنها وهو مطمئن الي انها ستدر عليه دخلا يكفيه واسرته ويغطي تكاليف الانتاج التي ازدادت بشكل غير معقول ولا يتناسب مع الانتاجية الفعلية للمشروع حسب ما تقول بذلك دراسات قامت بها ادارات مشهود لها بالعلمية والنزاهة حتي في بركات نفسها.

حديث اصحاب الوجعة

يقول المزارع عمر محمد جبارة الله بتفتيش النديانة لـ ( عاين ) انه لم يستطع ان يحافظ علي الارض التي ورثها من والده لانها صارت تدخله الي السجن ولا تسد له قوت ابنائه بعد ان كانت تقيهم في زمان سابق من المسغبة والجوع ، ويضيف انه اضطر الي بيع ارضه والذهاب بابنائه الي ولاية الخرطوم حيث يسكن الان باطرافها ويزرع في اراضيها ، يشير الى انه يزرع في المزارع المتاخمة في كافوري بولاية الخرطوم ويسكن اقصي شرق النيل لان لا مهنة له غير الزراعة ولا يتقن غيرها حتي تساعده في تربية اطفاله الذين صاروا في مراحل دراسية مختلفة وازدادت مصروفاتهم اليومية.

والمزراع محمد صديق الشهير ب (ود الكبتن) من تفتيش النديانة يقول انه هجر الزراعة ولكن لم يستطع بيع الارض التي كانت وصية والده عدم تركها بدون زراعة ، لكنه يتعشم في ان يأتي يوم ويقوم بزراعتها وتدر عليه دخل كما كانت تدر علي والده سابقا. اما المزراع عبد الجليل محمد احمد من قسم التحاميد يقول لـ (عاين) انه ورث الارض عن والده هو واخوته الصغار وبعد وفاة والده عاد هو من الاغتراب ليزرع الارض كما كان يفعل والده لكن المفارقة كانت في ان كل ما ادخره من الغربة التي عاد بها ذهبت ادراج الرياح بعد ان تدهور المشروع، ويضيف ( انا افكر بشكل جاد في العودة الي السعودية مرة اخرى من اجل اعاشة اخوتي الصغار واكمال تعليمهم حتي لا نفقد الارض واترك اخوتي بدون تعليم)، ويؤكد على ان قانون العام (2005) والقوانين السابقة ا جعلت المزارع يقبل بتمويل البنوك التي كانت السبب في هجرة اغلب اهله للزراعة ، ويرى ان الأمر مقصود به اجبار المزارعين علي بيع اراضيهم الى منسوبي الحكومة ، ويقول ( على المزارعين الانتباه الى ذلك وبدء المقاومة حتى لا تنجح خطط النظام الحاكم في تمليك اراضي الجزيرة لاعوان الحكومة).

جولة فريق (عاين ) كشفت عن تدهور مريع في الارض التي بدات تفقد اغلب خصائصها حيث فقدت الكثير من خصوبتها بسبب التقاوي الفاسدة والمبيدات منتهية الصلاحية والاخطاء في تحضير الارض وتجهيزها التي اخذت من وزارة الري والهندسة الزراعية ومنحت لنافذين في النظام الحاكم صاروا يمتلكون شركات تعمل في مجالات الري وتحضير التربة وجلب التقاوي بدون ان تكون لهم أي تجربة او سابق معرفة بكل هذه الاعمال ، وقد اعترف دكتور تاج السر مصطفى رئيس اللجنة التي لم تنفذ توصياتها في جلسة الاربعاء 10 ديسمبر في البرلمان ان تطبيق القانون 2005 م صاحبه فساد في الخصخصة وتمليك المنازل واراضي الملك الحر ، ودعا الى احالة المتسببين الى محاسبة جنائية ان كانت الدولة جادة في معالجة مشكلة مشروع الجزيرة