الدكتور تاج السر مصطفى في حوار مع "الصيحة"
الكاتب: حوار: عاصم إسماعيل   
الجمعة, 26 ديسمبر 2014 18:50

حرية المزارع لتحديد التركيبة المحصولية بمشروع الجزيرة "كارثة"

تصفية السكة الحديد والهندسة الزراعية والمحالج لم ينص عليها القانون

قانون 2005 لتنظيم إدارة المشروع ولا علاقة له بقانون أراضي مشروع الجزيرة

النظام الأنسب تحويل المشروع إلى شركة خاصة ملاكها الحكومة والمزارعون

قانون 2005م غير مناسب لإصلاح المشروع... ولكن؟

إلغاء قانون المنتجين تلقائيًا يعمل على حل اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل

-----------------

أوصى تقرير لجنة الدكتور تاج السر مصطفى رئيس لجنة تقويم وتقييم مشروع الجزيرة بإبدال روابط المياه بمجالس الإنتاج، وقال إن لجنته اتفقت على عدم صلاحية قانون 2005م. وقال: في ظل الضغوط وتضارب المصالح، فإن العمل المتخصص حينما تريد إنزاله إلى الواقع يصبح الأمر صعبًا، مبينًا أن خطوة المجلس الوطني الحالية تعتبر خطوة نحو الحل الأمثل لمشاكل المشروع، وانتداب عضو منتدب ليكون له حق أصيل في مجلس الإدارة، مؤكدًا أن اتحاد المزارعين يقف ضد تعديل القانون أو إلغائه باعتبار الاتحاد كان وراء سن القانون.

وقال: الآن المجلس الوطني عمل خطوة كبيرة في قانون المنتجين الذي كان يستثني اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل في السابق، وقال: إذا أجيز في مرحلته الأخيرة، فتلقائيًا سيحل اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل ، واعتبر ما حدث في البنى التحتية كارثة، وقال إنه قبل تنفيذ القانون في العام 2009م كانت هنالك أكثر من 8 آلاف منزل، وبعد التنفيذ تبقى 2185 منزلاً، كما تقلص عدد العمال إلى 75 فقط من جملة 3.577 عاملاً. وأشار إلى تخصيص بعض من أصول المشروع لجهات مثل اتحاد المزارعين وجامعة الجزيرة وغيرها من الجهات الرسمية.فإلى مضابط الحوار.

* حدثنا عن اللجنة وما قامت به خلال الفترة السابقة.

اللجنة انقسمت إلى ثلاث مجموعات، الأولى مختصة بالإنتاج والإنتاجية، والثانية بقضية الري والمياه، والثالثة بالقضايا المؤسسية والتنظيمية والإدارية للمشروع، وكل مجموعة عقدت عدداً من الاجتماعات، أما اللجنة بكاملها فقد عقدت تسعة وتسعين اجتماعاً في حوالي ثلاثة أشهر، ومن ثم جمعت كل التقارير من اللجان وتناولتها في سبعة محاور، "الأول " الوضع المؤسسي والتنظيمي والإدارى للمشروع. "الثاني" الأصول والبنى التحتية. "الثالث" نظام الري ومنشآته. "الرابع" الوحدات الخدمية. "الخامس" الإنتاج والتمويل والتسويق. "السادس" أراضي مشروع الجزيرة. "السابع" قضية العاملين في مشروع الجزيرة.

*هل تعتبر الوضع المؤسسي قانونياً أم ماذا؟

الوضع المؤسسي حسب قانون 2005 فيه مشاكل، خاصة ما يتعلق بطبيعة العلاقات حينما يقول القانون إن المشروع للمزارعين فى حين أن الأصول الأساسية مملوكة للحكومة، والأرض مملوكة للحكومة والقطاع الخاص، ولذلك سعى مجلس الإدارة لبيع أراضي المِلك الخاص للمزارعين ولم يتطرق لأراضي الحكومة وكيفية تمليكها. وبالتالي يصبح المشروع ملك للمزارعين ، ونحن قلنا إن هذا الوضع غير سليم فلا يمكن توريع المشروع لمزارع خاصة مستقلة عن بعضها البعض بحيث يتصرف كل مزارع في مزرعته كيف شاء ويزرع كما يحلو له.

وهذه كارثة لأن المشروع موحد وبه أهم الأصول الموجودة في السودان ويستهلك نحو 7 مليارات متر مكعب تساوي 40% من حصة السودان من مياه النيل، ثم يجثو على 2.2 مليون فدان وهي أخصب الأراضي في السودان، ومن ثم يستخدم نظام ري انسيابي بدون تكلفة على طول 300 كلم. فترك هذه الأصول القيمة للتصرف الشخصي من نظام ينظم ويحكم الانتاج أمر غير صحيح، وإن المزارعين لن يستطيعوا تحمل مسؤولية شبكة الري أو تكلفة إدارته وليس لديهم معرفة بطريقة إدارته وليس لديهم من سبيل غير الرجوع للحكومة. وإذا الحكومة خرجت من المشروع فكيف للمزارع أن يطلب منها تمويلاً، لذلك لا بد أن يظل المشروع قومياً مملوكاً للسودان مع خصوصية لولاية الجزيرة ، وخصوصية أخص للمزارعين الذين يعملون في الحواشات. والحواشات ملكية منفعة تامة وتتحمل الدولة في هذه الحالة صيانة وتأهيل منشآت الري ويتحمل المزارعون تكلفة الري. الأمر الثاني له علاقة بولاية الجزيرة لأن المشروع يمثل غالبية أراضي الولاية ويؤثر على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الجزيرة، فلابد للولاية أن يكون لها تمثيل معتبر في إدارة المشروع "مجلس الإدارة ، وليس لها أن تنفرد بإدارته، وقدمنا مقترحاً يؤكد على وحدة المشروع كمؤسسة من ناحية إدارية، ويقوده "مدير عام أو عضو منتدب أو محافظ" يعينه رئيس الجمهورية، واقترحنا أن يكون هناك قسمان واحد للجزيرة وآخر للمناقل،. وأن يكون رئيس مجلس الإدارة غير متفرغ وليس دستورياً، وأن يكون ممثلو الوزارات فى المجلس من غير الوكلاء بل تخصص كل وزارة "ديسك" مسؤول عن المشروع، ويضاف لهم عدد من الخبراء في المجالات المختلفة إلى جانب تمثيل ولاية الجزيرة وتمثيل المزارعين.

* ولكن ما هو الوضع الذي كان سائداً في السابق؟

فى بداية المشروع كان شراكة بين ثلاثة أطراف، حكومة السودان التي تعتبر مالكة لمنشآت الري والأرض بنسبة 58%، والمزارعون باعتبارهم يقومون بالفلاحة وشركة "سودان سندكيت" البريطانية والغرض إنتاج وتصدير القطن. وهذه الشراكة محددة باتفاقية كل طرف له نسبة معينة، وبعد خروج "سودان سندكيت" عملت الدولة (مجلس إدارة مشروع الجزيرة) وأصبحت العلاقة مستمرة بنسب معينة بين الأطراف الثلاثة، فكانت القسمة بين الحكومة ومجلس الإدارة والمزارعين. ولكن في دراستنا وتقريرنا للعام 1998م، قلنا إن مجلس إدارة مشروع الجزيرة ليس شخصية ذات إطار مؤسسي (هيئة أو مؤسسة أو شركة إلخ) ولكن هذا رفض.

* أعتقد أن المشروع وحدة واحدة، فكيف تعامل القانون مع قضية البنى التحتية إذاً؟

البنى التحتية كثيرة في المشروع تتعلق بمنشأت التفاتيش "مكاتب. ورش. مساكن"، أكثر من 8 آلاف بيت بدرجات مختلفة، حتى العام 2009م وبعد العام 2009م، تمت الخصخصة وبقى 2185 منزلاً فقط، ومن ضمن هذه البنى منشآت ووحدات إكثار بذور ووحدات الوقاية والمشاتل ووحدات تدريب ومدارس تأهيل المزارعين، وهذه كلها تدخل في الأصول، وهذه للأسف تعرضت للضياع في إطار تنفيذ القانون 2005م. وللمعلومية كان المزراعون قبل العام 1998م يشكون من إثقال كاهلهم بتكلفة الإدارة التي تخصم تكاليفها من عائد الإنتاج، وجاء القانون 2005م ليقلص الإدارة ويخفف على المزارع وحتى العام 2009م، كان هنالك 3.577 عاملاً يعمل في المشروع، وحينما تم التطبيق في العام 2009م، تم الابقاء على 75 عاملاً فقط وسرحت البقية. كان هؤلاء العاملون يقومون على هذه الأصول ولما انتهى تعرضت الأصول للضياع بسببين: عدم وجود المسؤولين، فانتهكت ودخل فيها أناس بدون صفة وبعض العشوائين والمازحين. وكان الأجدى أن تعين حراسة لهذه الأصول عقب الاستغناء عن الكم الهائل من العمالة.

* يقال إن فقد هذه العمالة أثر بدوره على نظام الري المتبع؟

بداية من سنار هنالك مقاييس كثيرة ترصد وتقيس المياه حتى تصب في آخر حواشة في شمال المشروع، لذا وكالة الري في الجزيرة ، ونظام الري يبدأ بقنوات كبيرة، ومن ثم مواجر، ومن ثم "ماينرز" وأبو عشرينات وأبوستات، ومن ثم الحواشات، والتحكم في هذه الشبكة صعب، حيث يحتاج لتحديد مقننات المياه لكل حواشة، وكل تفتيش، وكل قسم، لمعرفة كميات المياه الطلوبة. وقانون 2005 م سلم الري لروابط مستخدمي المياه "مزارعون" مع العلم أن المشروع به 18 قسماً كل قسم به عدد من التفاتيش، وكل تفتيش يوجد به مهندس ري وفنيون، ومع الفنيين خفراء للبوابات، فألغى القانون هؤلاء واستعاض عنهم بالروابط مما أحدث ربكة شديدة، وأصبح سحب المياه صعبًا وأدخل الناس الوابورات لأول مرة في المشروع يتم إدخال وابورات "الليستر"، وأدخلها المقتدرون الذين يستأجرون حواشات بعض المزارعين. وفيما بعد ألغى وزارة الري وأضيفت مهمة الري لوزارة للزراعة. وللأسف هذا أدى نظام "التخطيط. الإدارة الفنية. التشغيل وإدارة الربط والمتابعة اليومية" للري.

* ولكن تظل قضية الإنتاج "حرية اختيار المحاصيل" إلى الآن تشكل هاجساً؟

حسب النظام في أول السنة تضع الإدارة الخطة لزراعة المحاصيل المختلفة خطة الري ، وتنزل للأقسام والتفاتيش والحواشات، ومن ثم تحضر الأرض والمدخلات . وإدارة المشروع تحصر المدخلات مع الوزارة والبنك والمركزي، ثم العمليات الهندسية، يعمل في الغيط يديرها نحو 443 مهندساً زراعياً ومفتشاً زراعياً تبقى بعد تنفيذ قانون 2005م فقط 23 يعملون في هذا المجال. القانون أعطى المزارع حرية اختيار المحاصيل، أصلاً المفتش الذي يراقب غير موجود، ولذا تمت الزراعة كما يريدون. فاختلفت المحاصيل واحتياجاتها من المياه والمدخلات والوقاية إلخ، ولذا ضاع النظام الفني للإنتاج من حيث العمليات نفسها، ومن حيث المدخلات والإشراف على العملية الإنتاجية، ومن حيث الرصد. ودخلت روابط مستخدمي المياه في مشاكل مست علاقاتهم الاجتماعية وليس لديهم صلاحيات قانونية ولا ميزانية مالية أو تدريب، وانتفت عملية المحاسبة، الأمر الذي أدى إلى اختفاء المحاصيل الرئيسية، تقلص القطن رويداً رويدًا، والمحصولان الوحيدان الفول والقمح اللذان تتم زراعتهما من قبل المقتدرين.

*القانون أعطى الحق لتحويل بعض الوحدات إلى شركات مساهمة عامة؟

لقد صدر قرار بتحويل الوحدات الخدمية لشركات مساهمة عامة فكان التنفيذ على النحو التالي: تصفية السكة الحديد، تصفية الهندسة الزراعية" "ورش كبيرة"، تمليك المحالج للعاملين. وهذا لم ينص عليه القانون. القرار نص بالتحويل إلى شركة مساهمة عامة، وهذا يعنى بقاء نصيب الحكومة وطرح البقية للقطاع الخاص بعد التقييم. لكن الأمر انتهى لتصفية الهندسة الزراعية والسكة الحديد، وجاء البديل للهندسة الزراعية شركات الخدمات المتكاملة 22 شركة مولت من البنك الزراعي بنحو 23 ملياراً لمدة عشر سنوات.

* كيف تدخل قانون 2005م على قانون أراضي مشروع الجزيرة؟

أراضي مشروع الجزيرة في قانون 1927م ثلاثة أنواع " أراضٍ على الجروف" مملوكة وأراضي "حقوق رعي وتحطيب وزراعة" وأراضي "بور" وسجلت الحكومة كل الأراضً البور واعتبرتها حكومية، أما الأرض التي فيها حق خاص واستؤجرت من أصحابها للمشروع بـ10 قروش للفدان في العام 1927م لمدة أربعين سنة وقد انتهى العقد عام 1967م، ولم تكن هنالك مراجعة للأرض أو الأسعار بالرغم من مطالبة أصحاب الملك الحر من حين إلى آخر ، فجاء قانون 2005 وقرر بيع أراضي الملك الخاص للمزارعين. وهذا الأمر معيب من ناحيتين: عدم وجود ربط بين الملكية والإدارة، فقانون 2005م هو لإدارة المشروع ولا صلاحية له في التصرف في ملكية الأصل الذي ينظمه قانون أراضي الجزيرة 1927م، وجاء قانون 2005م ألغى قانون أراضي الجزيرة 1927.وكونت لجنة تحت إشراف وزارة العدل، واتفقوا على سعر وتم التنفيذ في العام 2009م بسعر مختلف لم يتفق عليه مع أصحاب الملك وجاء رفضهم لعدم تنفيذ الاتفاق السابق، وبرغم ذلك تم إقناع البعض، وذهب الذين رفضوا إلى القضاء الذي حكم لصالحهم.

  • · ماهو دور اللجنة في ذلك ؟

قدمت مقترحاً من خيارين الأول الرجوع للنظام القديم، أن تؤجر الأراضي للمزارعين إيجار منفعة، وأن تكون رئاسة الجمهورية من النائب العام وأصحاب الملك الحر يمثل فيها مشروع الجزيرة لتحديد قيمة الإيجار وأن تراجع كل خمس سنوات. واقترحت اللجنة وضع تسوية للديون منذ 1967م. الخيار الثانى ما جاء في قانون 2005م شريطة أن يصدر رئيس الجمهورية قراراً بنزع أراضي المِلك الخاص وتعويضهم تعويضاً مجزياً.

ـــ إذًا ما هو النظام الأنسب لوضع مشروع الجزيرة؟

النظام الأنسب في رأيي الخاص يبدأ بالوضع المؤسسي، أن يؤسس المشروع شركة خاصة من الحكومة والمزارعين "الحكومة بأصولها والمزارع بأرضه المملوكة أو بحواشته المؤجرة له" وتدخل هذه الشركة في شراكة للانتاج مع القطاع الخاص. وتجربة سكر الجنيد مثال قائم كان الجنيد جزءاً من تفاتيش المشروع، فتم تحويله في عهد عبود لزراعة السكر في شراكة مع شركة سكر الجنيد التي لم تستول على أراضي المزارعين بل شراكتهم مستمرة لأكثر من 50 سنة وهي تجربة ناجحة يمكن أن تتكرر في أقسام كثيرة لإنتاج محاصيل ذات قيمة استراتيجية واقتصادية.

ـــ وماهي المقترحات الأخرى بجانب السكر؟

يمكن لشمال الجزيرة أن يكون مزرعة انتاج حيواني للحوم والألبان.

ــــ تقريركم ماذا أفاد بشأن القانون جملة وتفصيلاً؟

نحن في تقريرنا قلنا إن القانون غير مناسب لإصلاح المشروع، وهنالك 12 مادة غير صالحة تمامًا. وأعتقد أننا قمنا بمجهود علمي متخصص، ولكن بعض الظروف والضغوط وتضارب مصالح حال دون العمل به. وأعتقد أن خطوة المجلس الوطني جيدة في طريق الحل الأمثل لقضايا المشروع.

ــ الآن اتحاد المزارعين يقف ضد التعديلات؟

اتحاد المزارعين القديم نفسه هو الذي سعى لسن قانون 2005م ولذلك هو ضد التعديل، وكذلك المجلس الوطني عمل خطوة كبيرة فيما يتعلق بقانون المنتجين الذي حل كل اتحادات المزارعين واستثنى اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، فالمجلس الوطني عدل القانون في مرحلة السمات، وإذا أجيز الأمر في صورته النهائية، فتلقائياً سوف يحل اتحاد الجزيرة والمناقل، ومعظم هذه التعديلات التي تحدث المجلس الوطني حالياً في القانون معظمها توصلت إليها اللجنة بالإجماع.