لو كانوا يحبون الويكاب لما انهار مشروع الجزيرة العملاق
الكاتب: د. خديجة كرار الشيخ الطيب بدر   
الخميس, 26 ديسمبر 2013 00:00


حول الموضوع الذي جاء بعنوان «مشروع الجزيرة العملاق كيف هوى؟» لكاتبه أحمد محمد سعيد برهان بتاريخ 6 ديسمبر.

لا يختلف اثنان أن مشروع الجزيرة كان عملاقاً بحق، قام السودان كله على أكتافه وعلى جهد المزارعين والمفتشين، وكل الادارات النزيهة التي توالت على المشروع. وقد كان الكاتب صادقاً، وهو مؤتمر وطني، كما اتضح فيما كتبه، حين قال إن الذي هوى ليس المشروع وحده بل الجزيرة كلها، وأقول إن هذا الانهيار بدأ ينداح على السودان كله بعد ذهاب البترول الذي لم يحسب له الغباء السياسي حسابه فأصدر قانون 5002م وأُوكل أمر تفنيذه لإدارةٍ أكثر غباءاً ففعلت ما فعلت فتلاشت أصول المشروع، وبنياته الأساسية ومؤسساته وتم تسريح المفتشين ولا أدري ما هو الحقد الدفين الذي يقود الى هدم المنازل وانتزاع خطوط ترام القطن وبيعها ولا ندري لصالح من؟!. إن الهيكل الذي وضعه الانجليز لهذا المشروع وُضع برؤية علمية ثاقبة مصحوبة بإخلاص واتقان كيف لا والقطن شكل عصب صناعة الملابس في مدينة مانشستر البريطانية،. وحينما تم إسكان المفتشين بمكاتب المشروع وموظفي الري في مناطق ضبط الري الاستراتيجية كان الانجليز يدركون اتساع المساحة وأهمية الاشراف المباشر والارشاد الزراعي وضبط الري والحفاظ على نظافة الترع.. الخ. وكم كانوا بارعين في انشاء الترام ليضمنوا ترحيل القطن والمحاصيل الأخرى من أقصى مكتبه في الشمال الى حيث المحالج في جنوبه ووسطه..

لهذا كله نجح مشروع الجزيرة وظل ناجحاً الى أن جاء هؤلاء ففعلوا ما فعلوا، بل وتجرأوا دون تقوى من الله على محاولة الاستيلاء على أراضي الناس لتصبح ملكاً لهم بأساليب وإدعاءات مفتراة. وما زاد غمنا ما أشار له برهان منسوب المؤتمر الوطني لما تعرض له الناس من «ارهاب وتخوف وذلة ومهانة بينما أصبح البعض من كبار المستثمرين والرأسماليين حتى أصبح لهم أحياء تسمى بهم كما جاء في مقاله. ليس هذا ما استوقفني في المقال فهو معلوم لأهل الجزيرة كافة بل للسودان كله، ولكن الذي استوقفني هو هذا الميزان المختل في قياس الامور، فالكاتب وضع الشريف بدر والنقر وحدهما فقط في خانة المتهم بهذا الدمار المتعمد، ولا أدري لماذا يود الصبر عليهما الى أن يدخلا القبر ويواجها الملكين مع النصح بألا يتذرعا بالتعليمات و«لي الأنف» عند السؤال. وهذا مربط الفرس، فبرهان ابن المؤتمر الوطني غاضب على الشريف لما صرح به من «لي الأنوف» أي أنه مأمور بهذا العمل غير الصالح. وذكره برهان بالمناصب التي تدرج فيها وكان حري به أن ينزلها منزلتها فلا يفضح اولي نعمته بما قاله في بيت غازي جاد الله وما كان له أن «ينبطح» على حد تعبيره «ولو كان حبل المشنقة حول عنقه». نعم لا يطالب برهان بالإصلاح ورفع الظلم عن أهل الجزيرة بل يدعي أن هذا الكلام يخص المؤتمر الوطني وأن الشريف كان يجب «أن يحترم الحزب فمن العيب كل العيب ذكر تلك الاتهامات للرأي العام»، بل ذهب الكاتب الى أبعد من ذلك واتهم الشريف «بالفشل» والسعي «لتحميل المسؤولية للجهات العليا» وذلك بما ذكره الشريف بدر للنائب الأول في الحج وتأكيده له «أن كل ما يُقال عن والي الجزيرة صحيح تماماً». كما جاء في المقال، فالكاتب غاصب إذاً على ما صرح به الشريف ويعتبره خيانة لكل المناصب التي زين بها المسؤولون عنقه.. وبلغ حرص الكاتب على المسؤولين هؤلاء أن وضع كل المسؤولية على رقبة الشريف ويقول له: «أفو يا الشريف اركز».. بل وطالبه «بالاعتذار المدعوم بالبكاء للشيخ علي عثمان وللشعب السوداني..!» كما قال.

أولاً: لا أحد يبرئ الشريف من مسؤولية ما حدث لمشروع الجزيرة ولو كان ذا قربى، فنحن نعمل بمبدأ المصطفى صلى الله عليه وسلم «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ولو كان هذا المبدأ معمولاً به لما اعترفت حكومة المؤتمر الوطني بالفساد وأسست له مفوضية لم تعمل الى الآن لأنها لم تُؤسس للكشف والمحاسبة ولكنها حيلة من المفسدين لحبس أبو قناية بالقصر حينما كشف رأس جبل جليد الفساد في الوزارة التي كان يعمل بها. ونتفق معك أن الشريف مسؤول عما حدث ولكن ما لم نكن نعلمه أنهم «لووا أنفه» ولا عذر له في ذلك، إذ كان الأجدر به ألا يقبل التكليف إذا كان مدركاً لفساد المهمة وتبعاتها على المشروع والشعب.

أما الذي لا اتفق معك فيه هو تبرئتك للوالي وعلي عثمان وتعليق الأمر في رقبة الشريف.. فقد جعلت هؤلاء ملكين وتفضلت عليهما بوسادة من قطيفة يتكئان عليها وينسابان في هدوء نحو جنة الخلد ونعيم لا يبلى. ولكن والحق يقال فهما مسؤولان تماماً كما الشريف وذلك عملاً بمبدأ المصطفى صلى الله عليه وسلم، «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالزبير راعي الولاية، وعلي عثمان راعي الزبير لأنه نائب الرئيس الغائب أو المغيب عما يدور وكلهم رعاة الشريف. وما قاله الشريف لعلي عثمان في الحج لا يقع في دائرة الغيبة إلا إذا تم تجاهله وما ينبغي، إذ كان على النائب أن يجلس الى الوالي والشريف ليحسم الامر لصالح الشرع والحق والجزيرة ومشروعها. وعليه فإن الشريف غير مطالب بالاعتذار ولا بالبكاء على باب قصر النائب ولا الوالي. بل المطلوب منه وعلى الهواء مباشرة أن يعترف للشعب السوداني بمن لوى أنفه ليفعل ما فعله بالمشروع وبأصحاب الملك الحر، وأن يتجه فوراً الى بيت الله الحرام وأن يتعلق بأستار الكعبة ويبكي بين يدي الرحمن طالباً المغفرة والتصفح والأمر بعد ذلك متروك لرب العالمين لأنه لا يجدي البكاء على باب سلطان هو نفسه في حاجة للبكاء.

ولا أملك نصيحة للملكين فمصيبة السودان اليوم ليست في مشروع الجزيرة، ولا الحرقة ونور الدين ولا أراضي شرق النيل ولا المناصير ولا الخيراب ولا فشودة وما خفي أعظم.. مصيبة السودان اليوم هي في مفارقة الدين واستشراء الفساد، ووأد الاتجاه الاسلامي والانبطاح للاتجاه الأمريكي الذي أخذ نصف البلاد ويطالب بالمزيد. فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟. أما الويكاب المذكور أعلاه لمن لا يعرفه فهو إدام من الحليب والويكة وماء مقطر من القصب المحروق ويؤكل مع العصيدة الساخنة فهو إفطار أهل الجزيرة في عصر المشروع الذهبي ويقال إنه كان من وجبات الانجليز المفضلة يتناولونه مع المزارعين مطمئنين أن لا مجال لتلوثه وهو قادم من النار.. بل قيل انهم هم من اطلقوا عليه الاسم فوجبة الإفطار كان يتناولها الناس باكراً قبل الذهاب الى الحقول فأسماه الانجليز Wake up ومن ثم أصبح ويكب أو ويكاب. ولو كان حقاً أكلة الوالي المفضلة كما ذكر صاحب المقال فعليه ألا يكتفي بمتابعة ما انكشف من رأس جبل الفساد ومطاردة مسؤول صندوق شقي واحد، بل عليه الحفر عميقاً حتى يصل الى الجذور. وحتى يسترد المشروع عافيته عليه بدعوة كل السابقين الاحياء من مدراء وخبراء ومفتشين ومسؤولي الري والمحالج الى آخره.. وأن يضع بين ايديهم ملف الخراب بكامله فكل هؤلاء الآن يبكون بأدمع من الدم على ما حدث. وأؤكد لك أنهم سيأتون طوعاً بلا قرار لجان او ميزانية او تهريج باسم نهضة او غيرها مما نراه الآن من قباب لا ولي تحتها. وسيقوم هؤلاء بكل ما هو مطلوب لبعث الروح في هذا المشروع. وختاماً لأخي الشريف رئيس مجلس إدارة خراب المشروع وصية موجزة وبليغة من إرث جده ود بدر قالها من قبل للانجليز حينما جاءه رسولهم معتقداً أن الشيخ قد تفلت منه معلومة مفيدة عما يخطط له المهدي، فاستبطن له الشيخ الذكي في ظاهر القول ما لم ولن يفهمه أمثاله إذ قال: «لو بتسمع كلام الخريِّف أب حديثاً ما بكيِّف أخير تريِّف قبل ما تصيِّف».

فهل فهمت أخي الشريف؟!.