حرب الجزيرة
الكاتب: عبداللطيف البوني   
الخميس, 05 ديسمبر 2013 16:48


ما زلت عند رأيي على أن أعمق فساد في السودان، هو ذلك المتعلق بالقطاع الزراعي، وهنا في مقدوري أن أؤرخ له بتأميم مشروع الجزيرة 1950، وقد وقفت بنفسي على قصة فساد في هذا التاريخ، مرتبطة بعملية غش في مواصفات مبيد، كان هذا والإنجليز موجودون في السودان، ولكنه كان فساداً محدوداً تم ضبطه وبعد خروج الانجليز، وارتفعت وتيرة تنامي الفساد؛ أما في ربع القرن الأخير فقد أصبح بمتوالية هندسية. لقد كانت الدولة تضخ في الأموال للزراعة، ولكن هذة الأموال لا تغادر الخرطوم، بل تتمظهر في شكل عمارات وفلل وحاجات تانية.
مؤسسة الفساد الزراعي تتكون من كبار الإداريين، أكرر: كبار الذين يتحكمون في مواصفات مدخلات الإنتاج وأسواقه وآلياته، ثم الرأسمالية العاملة في مجال المدخلات والعمليات الزراعية، ثم جاءت اتحادات المزارعين لتكمل الضلع الناقص، وهذا ما أسميناه تحالف السوق والأفندية والدولة؛ فهذا الثالوث لكي يحافظ على مصالحة كان يقاوم أيّ تغيير في السياسات الزراعية على مستوى التشريعات وعلى مستوى التقنيات، وقد ذكرنا الشركات التي حاولت الاستثمار في مشروع الجزيرة و(مرقنها كرعينها).
قانون الجزيرة لعام 2005 كان فرصة لإخراج المشروع من قبضة مؤسسة الفساد، لكن للأسف استطاعت تلك المؤسسة إجهاضه في مهده، فكانت الطامة أن أجيز القانون في 2005 وطبق في 2009، ففي هذة السنوات الأربع حدثت البدع أولها لم تقم الحكومة بما يليها في القانون فلم تَصِن قنوات الري ولم تدرب روابط المياه كما ينص القانون، لا بل خرقت القانون وعدلته بإسناد الري لإدارة مشروع الجزيرة، مع أن القانون يقول إنه مسؤولية وزارة الري، والأنكى أن الذين أداروا المشروع في هذه السنوات الأربع كانوا ضد القانون، وكانت كلمة الاتحاد هي العليا في هذة الفترة، فسمحوا وقاموا بالتلاعب في ممتلكات المشروع من سكك حديدية وهندسة زراعية ومحالج وعربات حتى طوب المباني كان ينهب جهارا نهارا، هذا إضافة لأملاك المزارعين مثل مطحن كبرو ونسيج حنتوب ومباني بورتسودان. إن هذه الأعوام الأربعة شهدت أكبر عملية نهب في تاريخ المشروع، وربما في تاريخ السودان كله.
الحكومة ظلت تصرف الأموال وتكون اللجان لدرجة أن الزبير محمد الحسن عندما كان وزير المالية قال: والله لو أعطينا المزارعين قروش الدعم (حديدة) في إيدهم كان أحسن ليهم وللدولة. أما عن اللجان فقد تعددت، أولها لجنة تاج السر التي مهدت لقانون 2005 وآخرها لجنة تاج السر التي سمعنا، أكرر: سمعنا أنها طالبت بالرجوع عن قانون 2005 (أنا ماعارف ليه الحكومة ما عاوزة تكشف عن هذا التقرير مع أنها قبل ذلك كشفت عن تقرير لجنة عبد الله عبد السلام؟).
قضية تقاوي القمح (الطالعة في الكَفَر الآن) ليس، هي الأولى لا من حيث الكم ولا من حيث الكيف، فقبلها (ياما كانت هناك بلاوي متلتلة) تذكروا هنا فقط قضية الأقطان التي ينظر فيها القضاء الآن - ولكنها قضية التقاوي الأخيرة محظوظة لأنها وجدت تغطية إعلامية ممتازة وقبض على الفساد فيها (رد هاندد) أي يديه ملطخة بدماء الضحية، والناس الآن في انتظار نتيجة لجنة التحقيق فـ(الحكاية كلها لجان في لجان), في تقديري أن في هذه القضية فرصة لتفكيك ثالوث الفساد فيجب إخراج ضلع الأفندية ويترك الأمر للسوق سوق الله أكبر دون احتكار وتقوم الدولة بالدور الرقابي. إنها دائرة مرذولة فمتى ما قطعناها بنزع أي حلقة من حلقاتها سوف يصبح لدينا خط مستقيم.

 


عبداللطيف البوني.



مقالات اخري للكاتب